أعمدة ومقالات

ضغط ناعم

أطياف
صباح محمد الحسن

طيف أول :
قيمته أننا نمارس فرائض التوبة ولا نتوب، فهذه المسافات تخفي تحت أمكنتها كل الانشطارات الآنية والمؤجلة لأرواحنا!!

وأمس الأول تحدثنا أن السلاح الذي قدمه حلفاء الفريق البرهان كدعم عسكري جديد هو الذي أزعج الولايات المتحدة الأمريكية، لأنه خالف رغبتها وجهودها في منع تقديم السلاح للطرفين ،وذكرنا أن هذا التحوّل هو الذي جعل واشنطن تشعر بأن المرحلة الثانية من الحرب ستكون ساحة مفتوحة لحرب إقليمية عبر الطيران المسيّر والحربي.
وهذا ما كشفته جلسة مجلس الأمن بالأمس، حيث أظهرَت رفضاً واضحاً للدعم الجوي الحديث، إذ اتهم مسعد بوبس أطرافاً خارجية بتقديم دعم عسكري ومالي وسياسي لطرفي النزاع، معتبراً أن هذا الدعم يمثل أحد المحركات المستمرة للحرب، ويحمل مخاطر جرّ مزيد من دول المنطقة إلى الصراع.
وكشف عن تحرك أمريكي داخل مجلس الأمن لتشديد نظام العقوبات وحظر الأسلحة المفروض بموجب القرار 1591، مقترحاً توسيع حظر توريد الأسلحة ليشمل جميع الأراضي السودانية، وإدراج الطائرات المسيّرة ومنظوماتها والتقنيات المرتبطة بها ضمن نطاق الحظر.
ولأن الجلسة قصدت بها أمريكا الحلفاء أكثر من طرفي الصراع، فقد كشف مسعد بولس عن اتصال مع مصر قال فيه إن أمريكا ومصر تؤكدان التزامهما المشترك بتعزيز التعاون الإقليمي ومعالجة النزاعات المستمرة من خلال حوار مستدام وتنسيق مستمر.
وأضاف: خلال مكالمتي الأخيرة مع وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي، أعدنا التأكيد على دعوتنا الملحّة لوقف إطلاق نار إنساني فوري في السودان لخلق المجال للوصول الإنساني والانتقال إلى الحكم المدني.
وتظل الشراكة الطويلة الأمد بين الولايات المتحدة ومصر حيوية لتعزيز السلام والاستقرار في جميع أنحاء المنطقة.
و(أعدنا التأكيد على دعوتنا الملحّة لوقف إطلاق نار إنساني فوري) ليست لغة دبلوماسية عادية، بل لغة ضغط ناعم على مصر، فهي الحليف الأهم للجيش، لذلك أي تغيير في موقفها سيؤثر مباشرة على قدرة الجيش على الاستمرار في الحرب.
فواشنطن تريد تغيير سلوك الحلفاء بدلاً من مواجهة الجيش مباشرة، إذ تصافح بيد وتلوّح مهددة بالأخرى.
وإذا استمرت هذه الدول في دعم الجيش، ستستخدم أدوات العقوبات والرقابة الدولية ضد شبكات السلاح والمال، وهذا يضع الحلفاء في موقف حساس جداً ،ويؤكد أن الهدف هو مراقبة شبكات الدعم الإقليمي، وليس فقط طرفي الحرب داخل السودان. فهذه خطوة لا تستهدف الجيش مباشرة، بل تستهدف من يمدّه بالسلاح والمال.
ويجب ألا تتكئ الحكومة على سند الفيتو الروسي، سيما أن الصين تحركت من منطقة الرفض القاطع للعقوبات إلى قبولها بدراسة وشروط ،فروسيا تستطيع أن تستخدم حق الفيتو، لكنها لا تستطيع منع أمريكا من فرض عقوبات فردية أشد قسوة، مع عجز روسيا عن تقديم دعم عسكري مباشر للجيش السوداني، ليس لأنها لا تريد، بل لأن هناك قيوداً دولية واستراتيجية تجعل هذا الدعم شبه مستحيل.
وهذه القيود هي التي تجعل الفيتو هو “أقصى ما تستطيع روسيا تقديمه الآن”، لأنها دولة وقفت حائرة مكتوفة الأيدي غير قادرة على حماية نفسها من العقوبات المفروضة عليها بسبب حرب أوكرانيا.
فأي دعم عسكري مباشر للجيش السوداني سيُعتبر خرقاً للعقوبات وتوسعاً عسكرياً خارج حدودها، ويعد تهديداً للمصالح الغربية في البحر الأحمر، وهذا سيجلب عليها عقوبات إضافية هي غير قادرة على تحملها الآن.
لذلك حتى إذا استخدمت الفيتو، فأمريكا لن تتراجع عن فرض عقوباتها، وستنتقل إلى عقوبات خارج مظلة المجلس، لاسيما أنها وجدت أمس في الجلسة دعماً أوروبياً واضحاً قد يأخذ كل هذه الدول إلى واجهة صدام سياسي بين الغرب وروسيا حول السودان الذي أصبح جزءاً من معركة النفوذ العالمية، وليس مجرد حرب داخلية.
فالفيتو الروسي قد يمنع فقط صدور قرار جديد، لكنه لا يمنع توسيع عمل لجنة العقوبات الحالية، ولا يمنع زيادة الخبراء التي تعني ضمنياً تضييقاً واضحاً على الدول الداعمة، مما يعزز التعاون بين اللجان وجمع الأدلة.
ولا يستطيع أيضاً منع الضغط على الدول الحليفة الداعمة للجيش ،لذلك فإن روسيا تستطيع حماية الجيش سياسياً عبر الفيتو، لكنها لا تستطيع حمايته ميدانياً من الرقابة الدولية.
ويبدو أن الغرب الآن يريد تحويل العقوبات إلى منظومة رقابية واسعة. فروسيا قد تمنع القرار، لكنها لن تمنع الرقابة.
لذلك فإن الجلسة في مجلس الأمن لم تكن موجهة للجيش أو الدعم السريع، بل للحلفاء والضغط عليهم، وقد يتم ذلك بعدة طرق كمنع بيع قطع غيار الطائرات المسيّرة، ووقف التحويلات المالية، والتضييق على الشركات التي تتعامل مع الجيش، ويمكن أيضا الضغط السياسي على مصر والإمارات، وكذلك استخدام ملف البحر الأحمر كأداة ضغط، وملف المساعدات الإنسانية كأداة تفاوض.
وهذا ينعكس على الطرف الممانع ويجعله في موقع هشّ دولياً، ويحوّل روسيا نفسها من حليف داعم إلى طرف يتحمل عبء الدفاع عنه في مواجهة الغرب.
إذن، الخطوات القادمة ستتجه فيها أمريكا إلى الضغط على الحلفاء الإقليميين أكثر من الضغط على طرفي الصراع، لأن هذه هي نقطة الضعف الحقيقية التي يمكن من خلالها تغيير مسار الحرب.
طيف أخير :
#لا_للحرب
تحوّل الحارث إدريس إلى موظف حكومة لا تهمه المصداقية ولا الأعراف الدبلوماسية، وأصبحت إفاداته تتعارض مع القيم الإنسانية.
لا يهمه الشعب الذي يموت بالمسيرات، ويريد المزيد من تدفق السلاح لتستمر الحرب.
أصبح الحارث “حارساً” مخلصاً يصدّ كل من يقترب بالكذب والتدليس فقط ليحمي سيده بالداخل

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة