منذ آدم، والإنسان يحاول أن يفاوض السور. كلما قيل له: هذا حدُّك، نظر متشوفاً إلى ما وراء ذلك الحد. كلما أُعطي قبضةً من الممكن، اشتهى قبضةً من المستحيل. حتى الشجرة الأولى التي مُنع الاقتراب منها، لم تكن مجرد شجرة؛ كان وراءها وعدٌ بالخلود، ومُلكٌ لا يبلى. كأن الإنسان، منذ خطوته الأولى، لم يكن يريد أن يعرف العالم وكفى، إنما كان يريد أن يتخفف من تعريفه لنفسه ذاتها: محدوداً، مؤقتاً، محتاجاً، ثم محاطاً بما لا يعرف. ولذلك جاءت الرحمة قبل العقوبة، والحدُّ قبل الانفلات: «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا». يا لها من كلمة، ليست جداراً في وجه الإنسان، إنما هي دليل معرفة الصانع بالمصنوع. أنا أعرف وسعك، أعرف بالضبط أين تقوى، وأين تنكسر، وأعرف أن لك جناحين من التوق أوسع من جناحي قدرتك في الحقيقة. ثم يقول سبحانه: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ». ما استطعتم.. كأن القدرة نفسها لها حد، وكأن الرحمة تقول للإنسان: لا أطلب منك ما لا تستطيع، فلماذا تُلزم نفسك بما لا تطيق ولا تقدر؟ لكن هيهات.. هيهات، فالإنسان، كلما اتسعت يده، توهَّم أن السماء قد اتسعت له أيضاً. ثم يأتيه التحدي، لا بالمنع لكن بالقول: «يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۖ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ». فانفذوا، كأن الباب مفتوح لكم على مصراعيه.. اصعدوا، اكتشفوا، اخترعوا، اذهبوا إلى آخر ما تستطيعون. لكن في النهاية جاء شرطٌ كابحٌ، يقول: «إِلَّا بِسُلْطَانٍ». وهنا يكمن سرّ الأسرار، فالإنسان قد يملك سلطاناً على المادة، ولا يملك سلطاناً على نفسه ذاتها، قد يعرف كيف يصنع، ولا يعرف لماذا يصنع، قد يستطيع أن يفعل، ولا يملك أن يسأل نفسه: هل ينبغي أن أفعل ذلك؟ وهذا هو الفارق الضخم بين القدرة والحكمة. فالقدرة تقول: أستطيع، والحكمة تهمس: ولكن هل هذا ينبغي أن يكون؟ ثم يجيء العلم نفسه ليضع يده على فم الغرور: «وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ». لا إحاطة.. ليس لأن الإنسان لا يعرف، لكن لأنه لا ينبغي له أن يحيط بكل شيء، يعرف بعض الشيء، ولا يحيط بسرّه، يقيس أثره، ولا يحيط بمآله، يفتح باباً، ولا يعرف دائماً ما الذي سيدخل منه أو سيخرج. ثم يقول تعالى: «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ»، كل شيء.. ليس في الوجود شيءٌ سائب خارج قدره، وللعقل قدره، وللآلة ــ مهما عظمت ــ قدرها. وقد أردف تعالى في ذات السياق، قائلاً: «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا». لكن الإنسان، في نشوة القدرة، قد ينسى حتى أن القدرة نفسها مخلوقة لله، فيظن أنه عندما امتلك الأداة، امتلك معها العاقبة والنتيجة، وأنه حين اتسع علمه اتسعت إحاطته، وحين صار يرى ملايين الاحتمالات بين يديه، توهَّم أنه قد رأى صورة غده كاملة. لكن هيهات.. هيهات، فأشد ما يضلل الإنسان ليس ما يجهله، إنما ما يعرفه، حين يظن أن ما عرفه كافٍ لأن يعرف ما لا يعرف. ومن هنا، نفهم خوف ألفريد نوبل، إذ لم يكن الديناميت مجرد اختراع، كان لحظةً رأى فيها العقل صورته عندما تحولت العبقرية إلى قوة. ثم جاء السؤال متأخراً: ماذا يفعل الإنسان عندما تصبح يده أقوى من حكمته؟ ولذا لا يلزم أن نختزل نوبل في حكاية «التكفير عن الذنب». يكفي أن نرى في مسيرة ألفريد، ذلك الوخز الحضاري القديم: أن العبقرية نفسها قد تحتاج إلى ضمير، أن القوة، إن لم تجد أخلاقاً تحملها، قد تنقلب هي نفسها على صاحبها، كما نرى هنا وهناك هذه الأيام. وهكذا جاءت جائزة نوبل، في الذاكرة الإنسانية، كأنها محاولة لإعادة ترميم مفهوم القوة: أن يصبح ما يستطيع الإنسان فعله، في خدمة ما ينبغي للإنسان أن يفعله. واليوم.. ها هو العقل البشري يصنع عقلاً اصطناعياً، لا من لحم ودم ومخ، لكن من بيانات، ومن خوارزميات، آلة تتعلم، وتكتب، وترى، وتتنبأ، وتحاكي، وتتقدم في بعض المهام حتى على من صنعها. فيقف الإنسان أمام صورته الرقمية الجديدة، كما وقف نوبل أمام صورة قوته النارية من قبل، ويعود السؤال القديم، بثوب جديد: هل تنضج الحكمة بالسرعة التي تنضج بها القدرة؟ ذلك هو السؤال الحقيقي. إذ ليس السؤال: هل ستصبح الآلة أذكى من الإنسان؟ لكن: هل سيصبح الإنسان، بفضل الآلة، أقدر على الخير كما أصبح أقدر على الشر؟ فالآلة لا تولد شريرة، إنما هي تُكبّر ما في اليد أياً كان، إن كانت اليد رحيمة، وسّعت مدى رحمتها، وإن كانت اليد غاضبة، عمقت نتائج وآثار غضبها. وإن كان العقل أسيراً للوهم، منحته من الوهم ملايين الألسنة الناطقة به. وإن كان السلاح يبحث عن هدف، أعطته الخوارزمية عيوناً أجود تصويباً، وعدسات أكثر دقة. وهنا.. لا بد أن يدخل السودان، لا كفقرةٍ ملحقة في آخر هذا المقال، إنما كمرآة، فالعالم بأسره يخشى اليوم أن تنفلت الآلة من يد الإنسان، أما السودان، فقد رأى بالفعل شيئاً من هذا الانفلات قبل الآلة، رأى قدرةً انفلتت من الحكمة، لم يحتج المارد هنا إلى ذكاء اصطناعي، لكن كان يكفيه سلاح تقليدي، وغضب عارم ضد التغيير الذي حدث. وخطابٌ يختصر الإنسان في جماعة، والجماعة في عدو، والعدو في هدف قابل للقتل حتى ولو بقوة مميتة يحرمها العالم. ثم دخلت التكنولوجيا الحرب من أوسع أبوابها الجديدة: صورةٌ يمكن تزويرها، وصوتٌ يمكن اصطناعه، وروايةٌ يمكن تضخيمها، وشائعةٌ يمكن أن تسافر أسرع من الرصاصة. إذ تشير تقارير حديثة إلى استخدام المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي والتلاعب الرقمي في بيئة الصراع السوداني، حيث نجحت المعلومات المصطنعة في أن تغذي روايات الحرب، وتؤثر في المدنيين وعلى العمل الإنساني، فيما تتقاطع تقنيات الذكاء الاصطناعي والمراقبة والطائرات المسيَّرة مع أدوات الحرب الحديثة كلها. وهنا تصبح المسألة أشد من «خطر الذكاء الاصطناعي». لأن الكذبة عندما كانت تحتاج إلى لسان فقط، كانت تصل إلى قرية، وحين صار لها هاتف، وصلت إلى مدينة، وحين صار لها ذكاء اصطناعي، بدأت تتكلم بآلاف الأصوات وتلبس آلاف الأقنعة، وتبلغ أبعد الأمكنة. فالرصاصة تصيب جسداً، أما الكذبة الذكية فقد تصيب مجتمعاً بأكمله. ولذلك فإن السودان لا يقول للعالم اليوم: احذروا الآلة، إنما يقول: احذروا الإنسان عندما تتضخم قدرته ولا تتسع حكمته. هذه هي المسألة، فالحرب لم تكن نقصاً في الأدوات. فقد كان فيها من الأدوات ما يكفي لتدمير بلد كامل. لكن أين كانت الحكمة؟ وأين كان ذلك البعض من الإنسان الذي يقول للقوة كفى: هذا يكفي، فهناك طفل، وهنا بيت، هناك شيخ، وهنا أم. ثم هناك وطن، وهنا تتغير بالضرورة صورة «السياج». ربما لم يكن السياج الذي وضعه الله حول الإنسان غايته منع الإنسان من التحليق، لكنه كان سياجاً لحمايته من نوع هذا السقوط. وربما لم تكن الحدود إهانةً للإنسان، بل رحمةً به. فالذي يعرف محدوديته يمكنه أن يطلب العون، أما الذي يتوهم الإحاطة، فلا يرى في نفسه حاجة لأحد حتى لربه. وهنا يلتقي الذكاء الاصطناعي بالقدر. فالآلة تستطيع أن تحسب ما لا يستطيع الإنسان عده، لكنها لا تستطيع أن تجعل الإنسان محيطاً بعلم الله. نعم.. تستطيع أن تتنبأ بالاحتمالات، لكنها لا تملك الغيب، تستطيع أن تجمع آثار الماضي، ولا تملك مفاتيح المستقبل، تستطيع أن تقلّد اللغة، لكنها لا تصبح بذلك صاحبة سرّ الكلمة، تستطيع أن ترى الأنماط، ولا يعني ذلك أنها رأت الحكمة الكامنة وراء الوجود، لأنه سبحانه قد قال: «وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ». ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث، ليس أن تصنع البشرية آلةً خارقة، لكن أن تصنعها لذات الغاية المدمرة التي لم تتغير. أن تمنحها قدرةً هائلة ثم تضعها في عالمٍ لم يتعلم بعد كيف يضبط شهوته. أن تمنح الإنسان سلطاناً جديداً، وهو لا يزال يتقاتل على ضلاله القديم. أن تعطيه عيوناً ترى كل شيء، وقلباً لا يرى أخاه. أن تعطيه قدرةً على التنبؤ، ولا تعطيه شجاعة الاعتذار. أن تجعله قادراً على الوصول إلى المريخ، ولا تجعله قادراً على الوصول إلى قلب خصمه. هنا تكمن المفارقة. لذلك فإن سؤال السودان القادم، لن يكون فقط: من سيحكمه؟ ولا: كيف يُحكم؟ لكن بأي عقل؟ وأي قلب؟ وأي حكمة سيُحكم؟ فإذا ما خرج السودان من حربه بأسلحة أقل، لكن بذات العقلية التي أنتجت هذه الحرب نفسها، فلن يكون قد خرج من هذه الحرب بشيء. وإذا دخل الذكاء الاصطناعي إلى سودانٍ لم يتعلم بعد أن القوة أمانة، فقد يصبح الخراب أكثر ذكاءً فقط. أما إذا تعلم السودان من جرحه، أن السلطان بلا رحمة وبال، فقد يستطيع أن يجعل من التكنولوجيا أداةً للترميم لا للهدم؛ للتعليم لا للتجهيل؛ للإنذار المبكر لا للقتل المبكر؛ لكشف الحقيقة لا لصناعة الأكاذيب. فالأداة لا تختار وحدها، إنما هي التي تُختار. ويبقى سؤالنا الأول، ذلك السؤال الذي خرج من آدم، ومرّ بنوبل، ووصل إلى الذكاء الاصطناعي، ثم وجد في السودان مرآته الدامية: هل تنضج الحكمة بالسرعة التي تنضج بها القدرة؟ لست أدري.. لكني أعرف أن القرآن لم يَعِد الإنسان بالإحاطة، لقد قال: «إِلَّا بِمَا شَاءَ». ولم يَعِده بالقدرة المطلقة، إنما قال: «بِقَدَرٍ»، ولم يطلب منه بالطبع ما لا يستطيع، بل قال: «إِلَّا وُسْعَهَا»، ثم فتح له باب التحدي قائلاً: «فَانفُذُوا»، وكأنه يقول له: اذهب بعيداً، لكن لا تنسَ من أنت، اصعد، لكن لا تتوهم أنك صرت السماء، اعرف، لكن لا تتوهم أنك أحطت، اصنع، لكن لا تنسَ أن ما صنعتَه قد يصنع بك شيئاً لم يكن في حسبانك، وامتلك السلطان، لكن اسأل نفسك قبل أن تديره: هل كبرتَ أنت بقدر ما كبرت قدرتك؟ ربما لهذا لا ينبغي أن نخاف من المارد حين يسكن الآلة، فالمارد الأخطر هو الذي يسكن الإنسان. ويظل السؤال، في آخر الطريق، ليس: إلى أين يستطيع الإنسان أن ينفذ؟ لكن: ماذا سيحمل معه حين ينفذ؟ إن حمل علمه وحده، ضاع، وإن حمل سلطانه وحده، طغى، أما إن حمل قلبه وضميره معه فقد نجا. فلعل هذه الآية لم تكن تحدياً بالقدرة وحدها. لكنها كانت تذكيراً بأن وراء كل قدرةٍ سلطاناً أعلى وأمضى منها في النهاية.