أعمدة ومقالات

وهناك جانب آخر، ربما يكون هو المفتاح لفهم الأزمة أكثر من «الخلل الإداري.

(( الخلل الاداري )) ؟

( 3 )

بقلم السفير الصادق المقلي.

وهناك جانب آخر، ربما يكون هو المفتاح لفهم الأزمة أكثر من «الخلل الإداري.

يا عثمان ميرغني…

إذا أردنا أن نعرف أين تكمن جذور الأزمة الاقتصادية السودانية، فعلينا ألا ننظر فقط إلى ما يحدث داخل الجهاز الإداري للدولة، وإنما علينا أن ننظر أيضًا إلى ما حدث للسودان خارج الدولة، وإلى ما خسره السودان من فرص التمويل والشراكات والتنمية منذ انقلاب أكتوبر 2021.

وهنا أعتقد أن الصورة تصبح أكثر وضوحًا.
السودان لم يعانِ فقط من سوء إدارة موارده؛ السودان فقد أيضًا موقعه وقدرته على المشاركة الطبيعية في منظومة التنمية الأفريقية والدولية.
وهذا في حد ذاته خسارة اقتصادية هائلة.
خذ مثلًا قطاع الطاقة.
هناك مبادرة Mission 300، وهي شراكة بين مجموعة البنك الدولي و مجموعة و البنك الأفريقي للتنمية، تستهدف إيصال الكهرباء إلى 300 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء بحلول عام 2030؛ بحيث يستهدف البنك الدولي توفير الكهرباء لنحو 250 مليون شخص، والبنك الأفريقي للتنمية لنحو 50 مليونًا. والبنك الدولي نفسه يؤكد أن الكهرباء ليست مجرد خدمة منزلية، وإنما أساس لتشغيل المستشفيات، والري، والزراعة، والتصنيع، والخدمات الرقمية وخلق الوظائف.
وفي حديث للبنك الدولي عن المبادرة، قُدرت احتياجات رأس المال العام الميسّر المرتبطة بهذا الجهد بعشرات المليارات من الدولارات، في نطاق 30 إلى 40 مليار دولار، فضلًا عن حشد تمويلات إضافية من شركاء التنمية والقطاع الخاص.
أين السودان من هذه الحركة التنموية؟
السودان بلد يحتاج إلى الكهرباء بصورة استثنائية؛ لأن أزمة الكهرباء عنده ليست أزمة إنارة فقط.هي أزمة مياه.وأزمة زراعة.وأزمة صناعة.
وأزمة صحة.وأزمة إنتاج.وأزمة حياة.
ثم تأتي الحرب لتدمر مرافق الكهرباء والمياه والبنية الأساسية، فتتضاعف الكارثة.
وقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الأضرار التي لحقت بشبكة الكهرباء السودانية منذ اندلاع الحرب بنحو 3 مليارات دولار.
فهل يعقل بعد ذلك أن نقول إن جوهر المشكلة هو «الخلل الإداري»؟
أين الخلل الإداري في ثلاثة مليارات دولار من الأضرار المادية؟
وأين الخلل الإداري عندما تؤدي ضربات الحرب إلى تدمير منشآت الكهرباء والمياه؟
وأين الخلل الإداري عندما يتوقف تشغيل مضخات المياه والري، وتتضرر الزراعة، وتتوقف المصانع، وتتراجع القدرة على الإنتاج؟
إن الكهرباء هنا ليست ملفًا إداريًا منفصلًا.
إنها جزء من العمود الفقري للاقتصاد.
ولهذا فإن الاستشهاد بما تفعله مصر في مجال ترشيد استهلاك الكهرباء، في رأيي، لا يخدم حجتك.
مصر ـ كما وصفت أنت بنفسك ـ كانت تتخذ إجراءات احترازية تحسبًا لتفاقم أزمة الطاقة.
أما السودان، فليست القضية عنده كيف نرشد استهلاك كهرباء مستقرة تحسبًا للمستقبل.
السودان يعاني أصلًا من انهيار في منظومة الكهرباء والمياه، والحرب نفسها دمرت جانبًا من البنية التي يقوم عليها هذا القطاع.
والفارق بين الحالتين شاسع.
ثم انظر إلى قطاع المياه
في يوليو 2026، استضافت نجامينا المنتدى الأفريقي للمياه، الذي جمع شركاء التنمية والدول والمؤسسات المعنية بالمياه لمناقشة أمن المياه والاستثمار فيها وعلاقتها بالأمن الغذائي والطاقة والتنمية الاقتصادية. وخرج المنتدى بإعلان يربط صراحة بين المياه والغذاء والطاقة والتنمية والازدهار في أفريقيا.
وهذا تحديدًا قطاع لا يحتمل السودان أن يكون غائبًا عنه.
بل إن المفارقة تكاد تكون مؤلمة:
السودان، بلد النيلين، يعاني فيه مواطنون في الخرطوم نفسها من العطش!
وهنا لا أستطيع أن أفصل أزمة المياه عن أزمة الكهرباء، ولا أن أفصل الاثنتين عن الحرب.
فإذا دمرت الحرب محطة كهرباء، تعطلت مضخات المياه.
وإذا تعطلت الكهرباء، تعطلت الزراعة والري.
وإذا تعطلت المياه، تعطل الإنتاج وتهددت حياة الإنسان.
ولذلك يقول الله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.
فكيف يمكن أن نتحدث عن أزمة بهذا الحجم، ثم نضعها في خانة «الخلل الإداري» وكأنها مشكلة موظف لم يحسن إدارة مرفق حكومي؟
ثم انظر إلى Africa Forward
في مايو 2026، انعقدت في نيروبي قمة Africa Forward، بمشاركة فرنسا وشركاء أفارقة ودوليين، وانتهت بإعلانات عن 23 مليار يورو من الاستثمارات في أفريقيا؛ منها 14 مليار يورو استثمارات فرنسية في أفريقيا، و9 مليارات يورو استثمارات أفريقية في أفريقيا، مع توقع خلق أكثر من 250 ألف وظيفة مباشرة.
مرة أخرى، لا أقول إن السودان كان سيحصل تلقائيًا على جزء من هذه الـ23 مليار يورو.
هذه ليست القضية.
القضية هي:
هل السودان موجود داخل شبكة الشراكات والاستثمارات والتنمية التي تتحرك فيها القارة؟
هل لديه القدرة على جذب المستثمر؟
هل يستطيع الدخول في مشروعات الطاقة والزراعة والبنية التحتية؟
هل يستطيع مؤسساته المالية والتجارية أن تتعامل بصورة طبيعية مع المؤسسات الدولية؟
هل يستطيع أن يطرح مشروعاته ويطلب تمويلها ويضمن تنفيذها؟
هذه هي القضية.
غياب السودان عن هذه المنظومة ليس غيابًا بروتوكوليًا؛ إنه غياب اقتصادي.
وانظر أيضًا إلى الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر
وفي أبوظبي، خلال أسبوع الاستدامة في يناير 2026، انعقدت الجمعية السادسة عشرة للوكالة الدولية للطاقة المتجددة IRENA، بالتزامن مع أسبوع أبوظبي للاستدامة، في وقت كان فيه ملف التحول في الطاقة والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر حاضرًا بقوة على أجندة العالم.
والسودان عضو في IRENA.
ولديه إمكانات هائلة في الطاقة الشمسية والرياح، فضلًا عن موقعه وموارده ومساحاته وإمكاناته الزراعية التي يمكن أن تكون جزءًا من اقتصاد أخضر مستقبلي.
فأين السودان من هذه الفرص؟
أين موقع السودان في السباق الأفريقي نحو الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر؟
ليس لأن السودان لا يملك الموارد.
بل لأن الدولة نفسها فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على الحركة والشراكة والاستفادة من الفرص الدولية.
وهنا تحديدًا أقول:
هذا هو أحد جذور الأزمة.
وليس «الخلل الإداري» وحده.
فماذا حدث بعد أكتوبر 2021؟
بعد انقلاب أكتوبر 2021، علّق البنك الدولي مدفوعاته للسودان وأوقف معالجة العمليات الجديدة، بينما عُلقت مشاركة السودان في الاتحاد الأفريقي.
وبذلك لم تعد المشكلة فقط في كيفية إدارة الموارد المتاحة.
بل أصبحت في قدرة السودان أصلًا على الوصول إلى الموارد والشراكات والتمويل الدولي.
ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023.
فلم تكتفِ الحرب بإضعاف القدرة على الاستفادة من فرص التنمية، بل دمرت جزءًا كبيرًا من الأصول التي كان السودان يحتاج إلى تمويلها وإعادة تأهيلها.
وهكذا اجتمع عاملان:
عزلة سياسية وتنموية أعقبت الانقلاب، ثم دمار مادي واقتصادي هائل أحدثته الحرب.
فكيف يمكن أن نختزل النتيجة كلها في «خلل إداري»؟
وهنا أصل إلى جوهر الخلاف مع عثمان ميرغني

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة