أعمدة ومقالات

حين يصبح الانقلاب تصحيحاً ويصبح الحطام إنجازاً

بقلم/ إيهاب الأمين

يبدو أن الذاكرة السياسية في السودان دخلت مرحلة جديدة من إعادة تدوير الوقائع حيث يمكن للانقلاب أن يتحول بعد سنوات إلى تصحيح للمسار ويمكن لمن أطاح بحكومة كاملة أن يعود لاحقاً ليحملها مسؤولية كل ما حدث بعد رحيلها وهكذا وجد السودانيون أنفسهم أمام رواية طريفة في شكلها ثقيلة في نتائجها فعبد الفتاح البرهان يقول إن ما جرى في 25 أكتوبر 2021 لم يكن انقلاباً بل تصحيحاً لمسار الثورة ثم يتحدث عن فشل حكومة حمدوك في بناء الدولة مع أن تلك الحكومة نفسها كانت قد انتهت يوم قرر البرهان إسقاطها واحتجاز رئيس وزرائها وعدد من أعضائها والمشكلة هنا ليست في اختلاف التقييم السياسي لتجربة حكومة حمدوك فمن حق أي شخص أن ينتقدها بل من حقه أن يعتبرها تجربة فاشلة في بعض جوانبها لكن هناك سؤالاً أكثر إحراجاً من كل ذلك فإذا كانت الحكومة سيئة إلى هذا الحد فلماذا لم يترك لها البرهان فرصة الاستمرار ومحاسبتها عبر الوسائل السياسية والدستورية؟ ولماذا أطاح بها بالقوة ثم تولى هو السلطة؟ ثم عاد بعد سنوات ليستخدم الحكومة التي أطاح بها باعتبارها شماعة جاهزة لتعليق نتائج المرحلة التي أدارها بنفسه؟ هذه ليست مسألة رأي فهناك وقائع يمكن الرجوع إليها في سجلات المؤسسات الدولية.
عندما وصلت الحكومة الانتقالية إلى السلطة كان السودان خارجاً من ثلاثة عقود من حكم المخلوع عمر البشير وقد ورثت اقتصاداً مثقلاً بالديون والعزلة والعقوبات والاختلالات المالية ومع ذلك تمكنت خلال فترة انتقالية قصيرة من تحقيق خطوات لم تكن بسيطة بالنسبة لدولة خارجة من ذلك الوضع.
في ديسمبر 2020 رفعت الولايات المتحدة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد عقود من وجوده عليها وقد ربطت الخارجية الأميركية ذلك بالتحول السياسي الذي أعقب سقوط نظام البشير وبالخطوات التي اتخذتها الحكومة الانتقالية برئاسة مدنية وفي يونيو 2021 وصل السودان إلى نقطة القرار في مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون وهي خطوة اقتصادية ضخمة مهدت لمسار يمكن أن يؤدي إلى تخفيض أكثر من 50 مليار دولار من الدين الخارجي بالقيمة الحالية الصافية، أي أكثر من 90 في المئة من إجمالي الدين الخارجي للسودان إذا اكتمل المسار واستوفت شروطه كما جرى في تلك الفترة تنظيف متأخرات السودان لدى البنك الدولي وصندوق النقد والبنك الإفريقي للتنمية وفتح الطريق أمام إعادة اندماجه في النظام المالي الدولي وهنا لا يحتاج المرء إلى الدفاع عن حكومة حمدوك لكي يثبت هذه الوقائع إذ يكفي أن يقرأ ما كتبته المؤسسات التي كانت تراقب الملف السوداني غصندوق النقد وصف البرنامج الإصلاحي في تلك الفترة بأنه جزء من محاولة لمعالجة الاختلالات الاقتصادية وبناء أساس للنمو وخفض الفقر وتحسين الحوكمة وكان يمكن بالطبع مناقشة أخطاء تلك الحكومة والاحتجاج على أدائها الاقتصادي والسياسي وانتقاد بطء الإصلاحات أو ضعف الإدارة أو الخلافات داخل القوى المدنية هذا كله مشروع لكن الفرق كبير بين القول إن الحكومة لم تحقق كل ما كان مطلوباً منها وبين القول إنها كانت سببا لكل الكوارث التي وقعت بعد إزاحتها ومن ثم جاء 25 أكتوبر 2021 ففي ذلك اليوم انتقلت البلاد من مرحلة الخلاف السياسي إلى مرحلة جديدة عنوانها السيطرة العسكرية على السلطة وبعد أيام قليلة أعلن البنك الدولي أنه أوقف جميع المدفوعات لعملياته في السودان وعلق معالجة العمليات الجديدة والبنك نفسه قال إن السودان كان يسير في برنامج إصلاح اقتصادي طموح فتح الطريق أمام تصفية المتأخرات والتأهل لإعفاء الديون وإن التطورات التي حدثت في أكتوبر عطلت هذا المسار وهنا تظهر المفارقة التي يصعب تغطيتها بكلمة تصحيح فإذا كان الانقلاب تصحيحاً فما هو المقياس الذي نقيس به نجاح التصحيح؟ هل هو عدد المؤسسات التي عادت للعمل؟ هل هو الاقتصاد؟ هل هو الاستقرار؟ هل هو السلام؟ هل هو وضع السودان في المجتمع الدولي؟ أم أن معيار النجاح هو فقط أن السلطة أصبحت في يد من قام بالانقلاب؟ بعد ذلك لم يحتج السودان إلى كثير من الوقت كي يقدم الإجابة بطريقته الخاصة ففي أبريل 2023 اندلعت الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ودخلت البلاد في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وبحلول 2026 وصفت الأمم المتحدة السودان بأنه يشهد أكبر أزمة إنسانية في العالم وقالت إن قرابة 34 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية بينما تجاوز عدد النازحين داخل السودان الملايين وأصبح النظام الصحي في حالة شديدة الخطورة وتعرضت المدارس والمستشفيات والأسواق والبنية المدنية لأضرار واسعة وتشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن الحرب دفعت قرابة 13 مليون شخص إلى الفرار من منازلهم بينهم أكثر من 10 ملايين نازح داخل السودان وأكثر من 3 ملايين شخص عبروا الحدود بحثا عن الأمان، وفقا لبياناتها المحدثة في ديسمبر 2025 أما الأمم المتحدة فقد قالت في يناير 2026 إن السودان أصبح أكبر أزمة نزوح في العالم وإن نحو ثلث السكان تعرضوا للنزوح خلال أيام الحرب التي تجاوزت ألف يوم فيما يحتاج قرابة 34 مليون إنسان إلى المساعدات الإنسانية.
هذه ليست أرقاماً في تقرير اقتصادي بارد بل هذه دولة تتحدث عنها الأرقام وهي تنزف وعندما يخرج المسؤول الذي تولى السلطة بعد إسقاط الحكومة الانتقالية ليقول إن المشكلة كانت في الحكومة السابقة يصبح المشهد شبيها بمن هدم البيت ثم وقف فوق الأنقاض ليشرح للناس أن العيب كان في مهندس الديكور وقد كان أمام البرهان منذ أكتوبر 2021 سؤال بسيط للغاية إذا كانت الحكومة المدنية قد فشلت، فأنت قد أزحتها فماذا فعلت السلطة التي جاءت بعدها؟ هنا تصبح المقارنة أكثر عدلاً عندما توضع النتائج بجانب بعضها حكومة حمدوك رغم الملاحظات الكثيرة التي نعرفها وكتبناها مراراً فقد عملت في فترة قصيرة وسط تركة ثقيلة وتمكنت من الوصول بالسودان إلى نقطة القرار في مبادرة إعفاء الديون وساعدت في إعادة فتح قنوات التعامل مع المؤسسات المالية الدولية، وخرج السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب الأميركية أما السنوات التي تلت انقلاب 25 أكتوبر فقد شهدت توقفاً في مسار الانتقال المدني وتعطل جزء مهم من التعاون التنموي الدولي ثم انفجرت الحرب التي جعلت السودان يعيش أكبر أزمة نزوح وواحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم وهذا لا يعني أن البرهان وحده تسبب في كل شيء فالحرب السودانية لها جذور عميقة وتشارك فيها أطراف عسكرية متعددة كما أن أسباب الانهيار لا يمكن اختزالها في شخص واحد أو قرار واحد لكن من غير المنطقي أيضاً محو مسؤولية من تولى السلطة بعد الانقلاب ثم تقديم الحكومة التي أسقطها باعتبارها المتهم الرئيسي في كل ما جاء بعد ذلك. أما عبارة تصحيح مسار الثورة فهي لا تستطيع وحدها تغيير طبيعة الحدث ويمكن تغيير الاسم لكن الاسم لا يغير الوقائع ويمكن تسمية الاستيلاء على السلطة تصحيحاً ويمكن تسمية تعطيل الانتقال إعادة ترتيب ويمكن تسمية الأزمة السياسية ضرورة وطنية لكن المواطن لا يعيش على الأسماء فالمواطن يعيش على ما تنتجه السلطة من أمن وخدمات واقتصاد وسلام ومؤسسات والسؤال الذي يطارد هذه الرواية منذ ذلك اليوم ليس معقداً إذا كان ما حدث تصحيحاً فما الذي تم تصحيحه فعلاً؟ هل أصبح السودان أكثر استقراراً؟ هل أصبح أكثر أمناً؟ هل اقترب من السلام؟ هل تحسن اقتصاده؟ هل أصبحت مؤسساته أقوى؟ هل توقف النزوح؟ هل عاد ملايين السودانيين إلى حياتهم الطبيعية؟ الإجابة التي تقدمها الوقائع لا تحتاج إلى خطب سياسية إذ يكفي أن تنظر إلى بلد يحتاج فيه عشرات الملايين إلى المساعدات ويعيش فيه ملايين الناس بين النزوح واللجوء والحرب والجوع وانهيار الخدمات وقد ينجح السياسي في إعادة تسمية الحدث لكنه لا يستطيع إعادة تسمية النتيجة وهنا تكمن المفارقة الكبرى فالبرهان يطالب التاريخ بنسيان اللحظة التي أمسك فيها بالمقود ثم يريد من التاريخ أن يتذكر فقط حالة السيارة عندما كانت في يد السائق السابق لكن السياسة ليست هكذا فمن يريد أن يحاكم حكومة حمدوك فليحاكمها كاملة بأدائها وأخطائها ونجاحاتها وليعرض حساباتها أمام الناس ومن يريد أن يقول إن الانقلاب كان تصحيحاً فليقدم أيضا كشف حساب التصحيح أما أن تسقط الحكومة وتحتكر السلطة ثم تمر السنوات ثم تأتي الحرب ثم تعود لتقول إن الحكومة التي أسقطتها هي سبب الفشل فهذه ليست نظرية في بناء الدولة بل هذه محاولة لنقل الفاتورة إلى شخص لم يعد يجلس في مقعد القيادة وهنا السؤال الأكثر قسوة يبقى هو نفسه إذا كان حمدوك قد فشل في بناء الدولة كما يقول البرهان فلماذا لم يمنحه البرهان فرصة إثبات فشله حتى النهاية ولماذا احتاج البرهان إلى الانقلاب عليه؟ والأهم من كل ذلك أنه بعد أن أصبح البرهان هو صاحب القرار ماذا كانت نتيجة التصحيح؟ ربما هنا فقط يفهم السودانيون معنى المثل الجديد الذي تفرضه الوقائع إذ ليس كل من قال إنه جاء ليصلح العطل يعرف كيف يقود السيارة فكيف بمن أطاح بالسائق واستولى على المقود ثم عاد بعد سنوات ليقول إن الطريق كان هو المشكلة؟..

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة