أعمدة ومقالات

هل أزمة سعر الصرف في السودان ازمة إدارة، أم أزمة حرب و انهيار إقتصادي أوسع؟

حين استقر السودان استقر سعر الصرف

( 2 )

بقلم السفير الصادق المقلي.

في الحلقة الأولى تناولنا ما طرحه الدكتور محمد الناير من أسباب للانفلات الحالي في سعر الصرف، وناقشنا مدى كفاية تفسير الأزمة باعتبارها خللاً إدارياً يمكن علاجه بمزيد من الرقابة واللجان وتغيير العملة وملاحقة تجار العملة ومهربي الذهب.
لكن هناك تجربة سودانية حديثة تستحق أن نتوقف عندها طويلاً، لأنها تقدم درساً مهماً في العلاقة بين الأمن والاستقرار والانفتاح الخارجي وتعافي الاقتصاد واستقرار سعر الصرف.
وأعني هنا تجربة الفترة الانتقالية وحكومة الدكتور عبد الله حمدوك.
فخلال تلك الفترة، وخاصة في الأشهر الأخيرة منها، شهد سعر الصرف فترة من الاستقرار النسبي، وكان يدور في حدود 450 جنيهاً للدولار تقريباً.
ولم يكن ذلك الاستقرار نتيجة لجنة طوارئ تراقب تجار العملة على مدار الساعة، ولا نتيجة تغيير العملة، وإنما جاء في سياق اقتصادي وسياسي مختلف تماماً عن واقع السودان اليوم.
كان هناك أمل في السلام والاستقرار، وانفتاح دولي، وعودة تدريجية لعلاقات السودان مع شركاء التنمية والمؤسسات المالية الدولية، واستعادة لمسار إعفاء الديون.
كما تدفقت المساعدات التنموية والإنسانية، وبدأت برامج للحماية الاجتماعية، ومن أبرزها برنامج «ثمرات»، وتهيأت بيئة أفضل نسبياً أمام الاستثمار الأجنبي والقطاع الخاص السوداني.
والأهم من ذلك كله أن الاقتصاد بدأ يستعيد شيئاً من دورة الإنتاج.
فالاستقرار يخلق بيئة تسمح للمزارع بالإنتاج، وللمصنع بالعمل، وللتاجر بالاستيراد والتصدير، وللمستثمر باتخاذ قرار الاستثمار، وللمغترب بإرسال أمواله عبر النظام المصرفي.
وهنا حدث أمر شديد الأهمية بالنسبة لسوق الصرف:
بدأت موارد النقد الأجنبي تدخل النظام الرسمي بدلاً من بقائها خارجه.
وتشير بيانات البنك الدولي في تلك الفترة إلى ارتفاع كبير في تحويلات السودانيين من الخارج، مع زيادة تدفقها عبر النظام المصرفي، إلى جانب تحسن في بعض مؤشرات الصادرات والتمويل المصرفي. كما كان تقدم السودان في مسار مبادرة إعفاء الديون وإعادة انخراط المؤسسات الدولية عاملاً مهماً في استعادة الثقة وفتح الباب أمام مزيد من الدعم والتعاون الاقتصادي.
وهذا يقودنا إلى قاعدة اقتصادية بسيطة:
استقرار سعر الصرف يحتاج قبل كل شيء إلى استقرار في مصادر النقد الأجنبي والثقة في الاقتصاد.
فإذا كان المغترب يثق في الجهاز المصرفي، ويرى أن السعر الرسمي قريب من السعر الحقيقي، فسيرسل أمواله عبر البنك بدلاً من السوق الموازي.
وإذا كان المستثمر يشعر بوجود قدر من الاستقرار، فإنه يفكر في ضخ أمواله في السودان.
وإذا كان المزارع والتاجر والصناعي يشعرون بالأمان، فإن الإنتاج يتحرك.
وإذا تحرك الإنتاج، تحرك الصادر.
وإذا تحرك الصادر، دخل النقد الأجنبي.
وإذا دخل النقد الأجنبي إلى الجهاز المصرفي، زاد العرض المتاح منه.
وهكذا يبدأ سعر الصرف في الاستقرار.
وهذا ما يفسر أيضاً لماذا أصبح من الممكن في بعض الفترات أن يكون السعر الذي تقدمه المصارف للتحويلات منافساً لسعر السوق الموازي، بعدما كان الفارق بينهما أحد أهم أسباب خروج التحويلات من القنوات الرسمية.
إذن المسألة لم تكن «إدارية» فقط.
كان هناك مناخ اقتصادي وسياسي مختلف أنتج سلوكاً اقتصادياً مختلفاً.
وهنا تكمن أهمية تجربة الفترة الانتقالية.
فالسلام والاستقرار لم يكونا مجرد مطلبين سياسيين، وإنما كانا في الوقت نفسه مدخلين لتعافي الاقتصاد.
وتطبيع علاقات السودان مع المجتمع الدولي لم يكن مجرد إنجاز دبلوماسي، بل كان يعني فتح الأبواب أمام التمويل والمنح والاستثمار والتعاون التنموي.

والتقدم في مسار إعفاء الديون لم يكن ملفاً مالياً منفصلاً عن حياة المواطن، بل كان يعني تخفيف أحد أثقل القيود التي كانت تكبل الاقتصاد السوداني.
وتدفق المساعدات لم يكن مجرد إعانات، بل كان يضيف موارد إلى الاقتصاد ويخفف الضغط على الأسر والدولة.
أما عودة القطاع الخاص والإنتاج والاستثمار، فكانت تعني شيئاً أكثر أهمية على المدى الطويل:
إنتاج السلع والخدمات التي يستطيع السودان تصديرها والحصول مقابلها على النقد الأجنبي.
وهنا ينبغي أن نفرق بين أمرين:
هناك إجراءات إدارية تستطيع الدولة اتخاذها، مثل مكافحة التهريب، وتنظيم سوق الصرف، ومحاربة غسل الأموال، وتحسين إدارة الذهب، وإصلاح الجهاز المصرفي.
وهذه إجراءات مهمة.
لكن هناك عوامل أكبر من قدرة أي لجنة إدارية على معالجتها، مثل الحرب، وانقسام الدولة، وانهيار الإنتاج، وتوقف الاستثمار، وتراجع الصادرات، وانقطاع العلاقات الاقتصادية والمالية الخارجية.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط:
كيف نلاحق تاجر العملة؟
بل:
كيف نعيد الدولار إلى الاقتصاد السوداني؟
والدولار لا يأتي بأمر إداري.
يأتي من الصادر والاستثمار والتحويلات والسياحة والخدمات والتعاون الدولي وتدفقات رأس المال.
وهذه كلها تحتاج إلى بيئة مستقرة وآمنة.
ولهذا أعتقد أن أهم درس يمكن استخلاصه من التجربة الانتقالية هو أن:
الأمن والاستقرار والسلام والمصالحة وإعادة بناء علاقات السودان مع العالم ليست ملفات سياسية منفصلة عن الاقتصاد؛ إنها جزء أساسي من العلاج الاقتصادي نفسه.
فإذا أردنا علاج أزمة سعر الصرف، علينا أن نعالج أولاً البيئة التي أنتجت شح النقد الأجنبي.
وإذا أردنا زيادة النقد الأجنبي، علينا إعادة الإنتاج والصادر والاستثمار والتحويلات إلى مسارها الطبيعي.
وإذا أردنا عودة الإنتاج والاستثمار والتحويلات، فلا بد من الأمن والاستقرار والثقة.
أما اللجان، وملاحقة تجار العملة، وتغيير العملة، وتشديد الرقابة، فهي أدوات يمكن أن تكون جزءاً من العلاج، لكنها لا يمكن أن تحل محل العلاج الأساسي.
وكما يقول المثل السوداني: «إذا أردت أن تقتل قضية، كوّن لها لجنة».
فالاقتصاد السوداني لا يحتاج إلى لجنة تراقب أعراض المرض على مدار الساعة بقدر حاجته إلى إزالة الأسباب التي أنتجت المرض.
الحرب هي المرض الأكبر، والسلام والاستقرار هما بداية العلاج.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة