أعمدة ومقالات

المصباح وصلاح.. مفارقة التنظيم ومشاركة السفاح

عروة الصادق

ما يجري حول المصباح أبو زيد طلحة لا أقرأه باعتباره خلافاً شخصياً على قيادة كتيبة البراء بن مالك، وإنما باعتباره أحد مظاهر الصراع داخل الحركة الإسلامية نفسها حول من يملك قرارها العسكري والسياسي في مرحلة ما بعد الحرب، فالكتيبة تجاوزت خلال الحرب حدود كونها مجموعة قتالية مساندة للجيش، وأصبح قائدها صاحب حضور سياسي وإعلامي وشبكة علاقات مستقلة نسبياً عبأ للحرب وحشد لها والآن يسوق نفسه ومجموعته كبديل لما بعد الحرب، وهذه تحديداً هي النقطة التي تجعل المسألة أكثر حساسية بالنسبة إلى قيادة تنظيم اعتادت تاريخياً ألا تسمح بتحول أدواتها التنفيذية إلى مراكز قرار مستقلة عنها.

وبحسب معلومات مؤكدة وصلتني من داخل هذه الدوائر، فإن قرار إبعاد المصباح عن قيادة الكتيبة لم يولد خلال الأيام الأخيرة، النقاش حُسم قبل نحو ثلاثة أشهر، عقب اجتماعات لقيادات في الحركة الإسلامية والتنظيم عُقدت في مصر، ولم يكن الاتجاه مقتصراً على إبعاده وحده، وإنما امتد إلى تحجيم المجموعة المؤيدة له داخل الكتيبة، بعد تصنيفها داخل تلك الدوائر باعتبارها قد خرجت على خط القيادة التنظيمية (أحمد هارون وعلي كرتي وغندور وإبراهيم محمود). هذه معلومات أوردها باعتبارها معلومات من مصادري، وليست بياناً رسمياً منشوراً من الحركة الإسلامية، ولذلك ينبغي التمييز بينها وبين ما أصبح متاحاً للتحقق.

التطورات العلنية اللاحقة تمنح هذه المعلومات سياقاً مهماً، فالمصباح خرج بالفعل في جولات خارج السودان، وظهرت تحركاته في دول أفريقية، كزيارته لرواندا وما صاحبها من احتجاز قصير ثم إبعاده إلى تنزانيا في يونيو، وبعد ذلك بدأ خطابه يتجاوز الشأن العسكري إلى قضايا سياسية شديدة الحساسية، فانتقد طريقة إدارة التوازنات داخل الدولة، ودعا إلى حل جميع التشكيلات المسلحة بما فيها البراء نفسها، ثم فتح ملف المسؤولية السياسية عن إجازة قانون الدعم السريع عام 2017م، وهو ما أدخله في سجال مباشر مع شخصيات من داخل التيار الإسلامي القديم. هذه الوقائع المنشورة تجعل الحديث عن خلاف داخلي أوسع من مجرد تكهن نظري. .

وبحسب المعلومات التي لدي أيضاً، تحرك المصباح خلال وجوده خارج السودان في أنشطة تجارية، بعضها مرتبط بتوريد أثاث وتجهيزات لجهات حكومية، كما دخل في مسار يتعلق بصفقة تسليح مرت عبر سنغافورة وهونغ كونغ بغرض إيصال معدات إلى بورتسودان. هذه الجزئية تحديداً تحتاج إلى التعامل معها صحفياً باعتبارها معلومة مصدرية تتطلب استكمال التحقق المستقل من الشركات والعقود ومسارات الشحن والدفع قبل نشرها كحقيقة نهائية، لأنني لم أجد حتى الآن توثيقاً مفتوحاً كافياً يثبت تفاصيلها كاملة.

أما الحديث عن تقاربه مع صلاح قوش، فأراه أكثر خطورة من مسألة العلاقة الشخصية بين الرجلين، توجد بالفعل تقارير حديثة تتحدث عن اتصالات واجتماعات مرتبطة بالبراء وصلاح قوش في الإقليم، لكنها تظل مبنية في جانب منها على مصادر أمنية غير مسماة، لكن الأكيد ان صلاح قوش يتواصل مع الجميع في محاولة منه للملاعب بكل الخيوط خاصة بعد إبعاده من مصر، وأتوقع مغادرته لإرتريا بعد تحسن العلاقات الأمريكية الارترية جزئيا، وسياسياً، إذا ثبت أن المصباح بدأ يبني قناة مستقلة مع قوش، فالمشكلة بالنسبة إلى قيادة الحركة الإسلامية تصبح مشكلة سلطة وقرار؛ لأن ظهور مركز يجمع قائداً يمتلك قوة مسلحة ورصيداً اكتسبه من الحرب مع رجل يمتلك خبرة استخبارية وشبكات قديمة داخل الدولة والإقليم يمكن أن ينتج قطباً لا يخضع بسهولة للتراتبية التنظيمية التقليدية. .

وهنا ينبغي فهم محاولة إعادة ضبط البراء ضمن معركة أكبر. الولايات المتحدة فرضت عقوبات على الكتيبة في سبتمبر 2025م ثم أصبح المصباح نفسه خاضعاً لعقوبات أوروبية ودولية خلال 2026م، والاتحاد الأوروبي يصفه رسمياً بأنه قائد الكتيبة ويربطها بالقوات المسلحة السودانية، مع تحميله مسؤولية قيادة عن انتهاكات خطيرة منسوبة إلى عناصرها، لذلك فإن الكتيبة أصبحت في الوقت نفسه رصيداً عسكرياً وعبئاً سياسياً وأمنياً ودبلوماسياً، وهذه التركيبة تجعل السيطرة عليها مسألة تتجاوز الحركة الإسلامية إلى حسابات قيادة الجيش والدولة نفسها. .

لهذا لا أتوقع أن يكون «تفكيك البراء» بالضرورة تفكيكاً مادياً فورياً للقوة، والسيناريو الأكثر أهمية هو تفكيك استقلال قرارها: إعادة توزيع وحداتها، ضبط مصادر السلاح والتمويل، إدخال عناصرها في ترتيبات عسكرية أوسع، وإبعاد القيادات التي اكتسبت شرعية مستقلة عن التنظيم. ومن هنا تصبح مسألة السلاح والمسيّرات والتمويل أهم من اسم قائد الكتيبة؛ فمن يسيطر على خطوط الإمداد يملك عملياً قدرة أكبر على تحديد القيادة واتجاه القوة ومستقبلها.

المفارقة أن المصباح نفسه أعلن علناً في يوليو رفض وجود تشكيلات عسكرية خارج الجيش مستقبلاً، ثم تحدث في سبتمبر صراحة عن حل جميع المليشيات والتشكيلات المسلحة بما فيها البراء بن مالك. لذلك نحن أمام تحول يستحق القراءة بعناية: الرجل الذي صعد من داخل القوة المسلحة بدأ يتحدث بلغة إنهاء استقلالها العسكري، بينما دخل في الوقت نفسه في خلافات مع أجزاء من الحرس الإسلامي القديم. لا يكفي ذلك وحده لإثبات وجود انشقاق تنظيمي مكتمل، لكنه يقدم قرائن علنية على أن التصدع أصبح أعمق من خلاف عابر حول الأشخاص. .

عليه السؤال الحقيقي لم يعد: هل يبقى المصباح أم يُعزل؟ السؤال هو: من سيرث القوة التي صنعتها الحرب؟ هل تعود بالكامل إلى قبضة التنظيم الإسلامي، أم يجري امتصاصها داخل المؤسسة العسكرية، أم يحاول جناح منها التحول إلى مشروع سياسي مستقل؟ هنا تكمن المعركة الحقيقية. فالحركة الإسلامية السودانية تعرف من تجربتها الطويلة أن أخطر لحظة تواجه التنظيمات العقائدية المسلحة تأتي عندما يكتسب القائد الميداني المال والسلاح والشبكات والشرعية الخاصة به؛ عندها يتوقف عن كونه أداة قابلة للتوجيه ويصبح مركز قوة يمكنه التفاوض والاعتراض وصناعة تحالفاته الخاصة. وما نراه حول المصباح والبراء قد يكون إحدى أولى معارك إعادة توزيع القوة داخل المعسكر الذي أنتجته هذه الحرب.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة