مقالات

تشوفوهم شديدين لكن هم ما شديدين

سيكوسياسة 78

د.مواهب عبدالمنعم كمال الدين

اولا أشكر كل من سأل عن مقالات سيكوسياسة وأعتذر عن التوقف المؤقت. ثانيا عنوان موضوع اليوم مأخوذ من عبارة قالتها والدة كاشا النيل لبنتها ولكن الموضوع هنا لا يمت لهم بصلة وإنما يخص الشعب السوداني في محنته النفسية.

نعلم أن الحروب تترك آثارا نفسية للمتأثرين بها تتفاوت في شدتها ونوعها. وانا هنا لا اقصد من يتوجهون للعيادات لطلب المعالجة وإنما اقصد أغلبية الشعب الذي يعاني بدرجة أو بأخرى من الأزمات النفسية وهو لا يدري.

لقد سافرت للسودان في الفترة من فبراير إلى مايو الماضيين، فلفت نظري عدد من السمات النفسية المرضية والجامعة على الكثير من الناس الذين يشتكون منها وهم لا يدرون أنها تؤثر على تفكيرهم ومشاعرهم وسلوكياتهم اليومية. وهي حالة البؤس النفسي الجماعية التي يعيشها غالبية الشعب.

حالة البؤس

وهي احساس بالقهر النفسي والتعاسة التي يسببها الإحباط وضيق العيش والشعور المستمر بالشقاء والذي يؤثر نفسيا في تفكير وسلوك ومشاعر الشخص لكنه لا يعطل حياته كما الاضطرابات النفسية الأخرى.

فعند مقابلتي لعدد كبير من مواطني العاصمة بمدنها الثلاث وعدد من مواطني ولاية الجزيرة، لاحظت مجموعة من الاشياء التي تدل على البؤس الجماعي لدى غالبية الناس. اولا وفي احاديثهم اصبحوا يرددون عبارات بصورة شبه جماعية مثل ( الدنيا ما بقت هي الدنيا، الناس ماهم الناس، الشوارع ما هي الشوارع، الزمن ما عنده قيمة، ما فينا حيل لأي شئ، يا حليل زمان قبل الحرب، بقى ما عندنا اخلاق حتى لاولادنا، مافي امل نمشي لقدام، عايشين لشنو حتى الاكل والشراب بالتلتلة، زهجنا لو عندنا قروش كنا طلعنا برة السودان، مافي شئ بفرح، القيامة قربت خليها التقوم تريحنا) وهكذا عبارات تحمل من البؤس واليأس والاكتئاب ما يسحب اي طاقة إيجابية بدواخلك.

اما المظهر الخارجي للناس فلقد أصبح ابن الثلاثين يبدو كما لو كان في الخمسين وابن الأربعين يبدو كما لو كان في الستين، وللرجال النصيب الاكبر في ذلك. كما أصبحت الضحكات عبارة عن ابتسامة مجاملة مع تلاشي الشغف للحياة المرحة حتى لمن كانوا يوصفون بالفكاهة. هذا بالإضافة الى ضعف الإهتمام بالمظهر الخارجي حتى عند من كانوا على قدر كبير من الاهتمام.

هذه السمات النفسية مجتمعة وغيرها الكثير الذي لم يذكر اثرت بصورة او باخرى في تفكير ومشاعر وسلوكيات الناس فجعلتهم يعيشون في حالة من البؤس النفسي الجماعي فترونهم يتحدثون ويأكلون ويشربون فتشوفوهم شديدين لكن هم ما شديدين ويحتاجون جميعا إلى دعم نفسي.

هذا الوضع النفسي المؤلم سببته الحرب ثم الإحباط الذي أصاب غالبية الناس وأولهم من كانوا يقفون مع استمرار الحرب. وذلك لعدة اسباب اولها الاسعار التي هي فوق امكانياتهم المادية، ثم الوضع الأمني الغير مستقر، والاقتصاد المتهالك، الفشل في المشاريع المروية بسبب قصور في الري، موسم حصاد من غير حصاد، وانعدام الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وغاز وبنزين، والبنية التحتية المدمرة، هذا غير الصحة والتعليم فحدث ولا حرج. كل هذا مع كآبة مدنهم التي اضحت كمدن أشباح خاصة مدينتي بحري والخرطوم.

اذن، وحسب ملاحظاتي وتقييمي في هذه الاشهر التي ذكرتها ( قبل الزيادات الجنونية الاخيرة !!)،، فإن اغلب الشعب السوداني يحتاج الى دعم نفسي قد يتطور إلى العلاج النفسي لدى بعضهم ممن لم يقصد العيادة النفسية من نفسه.

اخيرا
نقول للبرهان لا تتساءل عن تراجع شعبيتك والحماس لما تتفوه به، فلقد انسحبت الطاقة الايجابية التي بدواخل الناس وكانت تدعوهم للتفاؤل والى تصديقك، فأصبح الواقع البائس والمحبط الذي يعيشه الشعب أكبر من الوعود الكاذبة التي ترميهم بها. فالشعب الآن لا ينفع معه حتى الدعم النفسي طالما الواقع الذي يعيشه محبِط وتعيس وبائس ومدمِر.

f.Mawahib A. kamaleldin
28.9.2026

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة