أعمدة ومقالات

الكهرباء تحت النار.. تفاوض بالإكراه أم ثورة في الشوارع؟

أحمد عثمان جبريل

❝قد تنطفئ محطةٌ بضربة، لكن ما الذي يشتعل في السياسة وراء انطفائها؟❞

كان سد مأرب يمسك بالماء كما تمسك اليد بسرّ الحياة.. خلفه تجمعت السيول، وأمام بواباته امتدت القنوات إلى الحقول والبساتين، فازدهرت أرض سبأ واتسع عمرانها.. ثم جاء سيل العَرِم، فانهار الحاجز، وانفلت الماء الذي كان مصدر رخاء، وجرف في طريقه قنوات الري وأسباب الاستقرار.. وتروي سورة سبأ عاقبة ذلك السيل، وتبدل الجنتين بجنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل.. لم يكن انكسار السد خسارة بناء فحسب؛ كان انكسار نظام حياة.

وبين ماء مأرب وكهرباء السودان قرون، غير أن المعنى يظل قريباً: إذا ضُرب الشريان، امتد الأذى إلى ما وراء موضع الضربة.

(1)

من هنا ينبغي أن نقرأ استهداف محطات الكهرباء في السودان.. فالمحطة يدٌ خفية تحرك المستشفى، ومضخات المياه، وتحفظ الدواء، وتفتح المخبز، وتضيء المصنع والبيت.. وعندما تتعطل، لا ينقطع التيار وحده؛ تتعطل حلقات من حياة الناس، وتصبح ساعة الانقطاع عبئاً على مريض وأسرة وصاحب عمل. هكذا يتجاوز أثر الضربة حدود الموقع إلى المجال المدني والاقتصادي والإداري.. فالكهرباء في السودان، البلد الذي دمرته الحرب وأنهكته في كل شيء، هي شريان حياة، وضربها يعني أن تمتد المعركة من مواقع الاشتباك إلى حياة الناس نفسها، موائدهم وأسرّتهم وأبواب أرزاقهم. ومستشفياتهم وادويتهم .

(2)

وما شهدته الأيام الأخيرة من أكتوبر يضع هذا السؤال في صدارة المشهد.. فقد أعلنت شركة الكهرباء استهداف محطات في سنجة والجنيد والحوّاتة والفاو ومشكور يوم 26 أكتوبر، وقالت إن الأضرار قطعت الإمداد عن ولايات سنار والقضارف والنيل الأبيض والجزيرة وهددت استقرار الشبكة القومية.. وفي اليوم التالي، أُعلن استهداف محطة المرخيات بأم درمان، ثم محطة أم دباكر الحرارية في ربك يوم 29 أكتوبر، مع انقطاع الكهرباء عن النيل الأبيض وشمال كردفان.. ونسبت السلطات هذه الهجمات إلى مسيرات الدعم السريع؛ لكن رويترز قالت إنها لم تتحقق بصورة مستقلة من رواية شركة الكهرباء.. كما نقلت “سودان تربيون” عن مجموعة محامو الطوارئ أن نحو 13 محطة استُهدفت خلال أكتوبر. تكشف الوقائع اتساع النمط وتكراره، لكنها لا تكشف وحدها ما يدور في عقل مطلقي المسيرات.

(3)

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا:”ما الغاية من ضرب هذا الشريان؟”.. عسكرياً، قد يكون المقصود إرباك مناطق سيطرة الجيش، وتعطيل خدمات تسند الإدارة والإمداد والاتصالات، وفي مقدمة ذلك (إظهار عجز السلطة عن حماية عمقها الاستراتيجي) .. وكلما طال الانقطاع، ارتفعت كلفة إدارة الحياة، واتسعت الفجوة بين وعود السلطة وما تستطيع توفيره.. فالمسيرة لا تصيب محولاً فحسب؛ إنها تضع قدرة الجيش والسلطة على إدارة المناطق تحت اختبار قاسٍ.. وهي تبعث برسالة مفادها أن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة القدرة على حماية مرافقها، وأن امتلاك السلاح لا يضمن استمرار الحياة في المدن الواقعة تحت النفوذ العسكري.

(4)

فهل يراد من ذلك إرغام الجيش على التفاوض؟ هذا احتمال سياسي مفهوم؛ فقد يراهن مطلقو المسيرات على أن تكرار الضربات وارتفاع كلفة الحماية والإصلاح سيدفع قيادة الجيش إلى مراجعة حساباتها وقبول الهدنة أو التفاوض.. لكن الضغط لا ينتج التفاوض آلياً؛ فقد يدفع القيادة إلى التشدد أو الرد بالمثل، ورؤية التراجع تحت الضربات خسارةً سياسية وعسكرية.. ولكي يتحول الضغط إلى مسار سلام، لا بد من قناة تفاوض وضمانات متبادلة وإرادة توقف النار.
المسيرة تستطيع رفع كلفة الحرب، لكنها لا تستطيع وحدها كتابة اتفاق السلام.. فهل يختار الجيش مائدة التفاوض قبل أن تتسع فاتورة الاستنزاف، أم يواصل المواجهة معتقداً أن التراجع يمنح خصمه مكسباً أكبر؟

(5)

أم أن الرهان يتجه إلى الشارع؟ فالكهرباء المنقطعة تضيف إلى السودانيين وجعاً فوق أوجاعهم:” ماء يصعب الحصول عليه، ودواء يتهدد بالتلف، ومستشفى يثقل عليه تشغيل المولدات، ومخبز يتوقف، ورزق يتعطل”.. وقد يتحول التراكم إلى غضب على سلطة الحركة الإسلامية وعجزها عن حماية المرافق، فيخرج الناس مطالبين بوقف الحرب وتغيير السلطة.. غير أن الغضب لا يسلك طريقاً واحداً؛ فقد يحمّل المواطن السلطة مسؤولية العجز، وقد يحمّل الجهة التي قصفت المحطة مسؤولية انقطاع الخدمة، وقد يبتلعه الخوف والحاجة والانشغال بتدبير البقاء.. لا تكفي المعاناة وحدها لصناعة ثورة، ولا يجوز افتراض أن المدنيين سيخرجون إلى الشوارع استجابةً لحساب عسكري لم يعلن أصحابه غايته.

(6)

وهنا تظهر حصيلة الضربات على الأرض.. حتى الآن، الدليل الأوضح اتساع الانقطاعات وتعطّل محطات ومغذيات، وما يصاحب ذلك من ضغط على الماء والصحة والمعاش.. أما إجبار الجيش على التفاوض أو تحريك ثورة تطيح بالبرهان، فلم تثبت الوقائع تحقق أيٍّ منهما.. وفي المدى القريب، ستكشف سرعة إصلاح المحطات، وتكرار الاستهداف، وطول ساعات القطع، واتساع الضرر إلى الخدمات والأسواق، ما إذا كانت الضربات تتحول إلى استنزاف طويل أم أن أثرها يُحتوى. وسيُظهر موقف الجيش من الهدنة، وحركة الشارع، وخطاب الدعم السريع، أيَّ مسار يكتسب وزناً أكبر. إنها مؤشرات متابعة، لا نبوءات.

(7)

لكن ثمة نتيجة لا تحتاج إلى انتظار: المدنيون يدفعون الثمن الآن. فالكهرباء حق حياة يتصل بالماء والعلاج والغذاء والعمل.. واستهداف المنشآت المدنية، أو شن هجمات لا تراعي التمييز والتناسب والاحتياطات اللازمة، يثير مسؤولية قانونية وأخلاقية لا تسقط بالشعارات العسكرية.. على الجيش أن يبيّن كيف يحمي المرافق ويؤمّن الخدمات، وهذه أولى أولياته، وعلى الدعم السريع أن يوضح الغاية العسكرية وأساس اعتبار المواقع المدنية المنتجة أهدفاً مشروعة؛ وعلى الطرفين وقف تحويل حياة الناس إلى ساحة رسائل. فالسوداني الذي يقف على هاوية العوز لا يحتمل أن تصبح الكهرباء جبهةً أخرى فوق جبهات موته.

#مطر_الحصو

إلى السؤال الذي حمله العنوان: هل ترغم المسيرات الجيش على التفاوض، أم تدفع الشعب إلى الثورة؟..
الواقع أن ما تحقق حتى الآن هو ضغطٌ واسع على الخدمات والمجتمع، وإرباكٌ للمناطق التي أصابتها الضربات؛ أما التفاوض القسري والثورة الشعبية فاحتمالان لم تثبت الوقائع بلوغهما.. قد ترفع الضربات كلفة استمرار الحرب على الجيش، لكنها تزيد أيضاً معاناة الناس وتؤخر قدرتهم على الاحتجاج، أو تدفعهم إلى الغضب من الطرفين.

والخلاصة أن المسيرات حققت حتى الآن أثراً مباشراً في تعطيل المرافق وإرهاق المجتمع، ولم تثبت بعد أنها أرغمت الجيش على التفاوض أو أخرجت الشعب إلى ثورة.. أما الطريق الذي يحتاجه السودان الآن، فلا تصنعه المسيرات: إنه وقفٌ متبادل للنار، وحمايةٌ للمرافق، ومفاوضات جادة تنهي الحرب وتعيد للناس حقهم في حياة كريمة.

#ومضة..

لن ينتصر من يُطفئ مصابيح البيوت، ولن ينهض وطنٌ يترك حاكمه شعبه يتلمس طريقه في العتمة.

#توقيع_أفق_الحرف..

أفق يترفق باتساعه ليقول:”سلامٌ يحفظ الإنسان، وعدالةٌ تردّ إليه حقه، وحياةٌ لا تُدار على إيقاع المسيرات.
إنا لله ياخ.. الله غالب.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة