أعمدة ومقالات

يشتكون من الحرب.. وهم صُنّاعها


د/ الأمين بلال مختار
October 31 / 2026
*alaminmukhtar@hotmail.com
يشتكون من الحرب، ويتباكون على خرابها، ويذرفون دموع التماسيح على معاناة الناس، وهم الذين صنعوها بأيديهم، وزرعوا بذورها بأنانيتهم، وسقوها بانقلاباتهم المتتالية.

إنها لمفارقة فاضحة، ومسرحية سمجة، أن يشتكي الجلاد من دم الضحية.

أولاً: العسكر والكيزان.. أصل البلاء ومنبع المآسي

فلنقلها بلا مواربة ولا تقية: ما حل بالسودان اليوم ليس قدراً سماوياً، ولا مؤامرة خارجية عابرة، بل هو الحصاد الطبيعي والمنطقي لفعلين إجراميين متلازمين: انقلابات العسكر، وأنانيات الحركة الإسلامية.

منذ فجر الاستقلال، لم تترك المؤسسة العسكرية هذا الوطن ليحكم نفسه. كلما أضاءت شمعة ديمقراطية، أطفأها العسكر بانقلاب. وكلما توافق السودانيون، جاءت الحركة الإسلامية لتزرع الفتنة باسم الدين.

هم من انقلبوا على الديمقراطية في 1989، وهم من حلوا الجيش القومي واستبدلوه بمليشيات الدفاع الشعبي والأمن الشعبي والشرطة الشعبية، وهم من سنّوا قانون الدعم السريع بأيديهم، وهم من قال قادتهم بالحرف: “الدعم السريع هو صمام أمان النظام”، وهم من نهبوا الذهب والموانئ والبترول، ثم تركوا الدولة هيكلاً عظمياً بلا لحم.

ثم يأتون اليوم، بعد أن أحرقوا الدار، ليشتكوا من رائحة الدخان! يشتكون من الحرب التي أشعلوها هرباً من الإصلاح الأمني والعسكري، الذي كان سيعيدهم إلى الثكنات ويخرجهم من السوق والسلطة.

إن كل مآسي الوطن، من حرب الجنوب إلى دارفور إلى جبال النوبة إلى حرب 15 أبريل، لها توقيع واحد: توقيع العسكر والكيزان.

ثانياً: شماعة القوى المدنية.. حيلة العاجز ومبرر الفاشل

ولأن الفاشل لا يعترف بفشله أبداً، كان لا بد من اختراع شماعة، وتعليق كل الخطايا عليها.

فاخترعوا هذه الشماعة وسموها “القوى المدنية”.

الحصار الاقتصادي الذي نعيشه اليوم؟ سببه قحت.
العزلة الدولية؟ سببها قحت.
انهيار الجنيه؟ سببه قحت.
والحرب نفسها؟ أيضاً سببها قحت!

أي منطق أعوج هذا؟ قوى مدنية بلا سلاح، بلا مليشيا، بلا بنك، بلا شركة ذهب، بلا كتيبة براء، خرجت من السلطة منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، كيف لها أن تحاصر شعباً وتحرق وطناً؟

إن الحصار الحقيقي الذي يعيشه السودان اليوم لم يجلبه المدنيون، بل جلبته أفعالهم هم. حصار ناتج عن انقلابهم على الوثيقة الدستورية، وحربهم العبثية، وخطابهم المتطرف الذي جعل العالم ينظر إلينا كدولة فاشلة ترعى الإرهاب.

الملاحظ والمتتبع بدقة يرى نمطاً ثابتاً لا يتغير: كلما وقعت كارثة، تهربوا من الاعتراف بسببها. لا يملكون شجاعة نقد الذات. لا يملكون شجاعة قول “نحن أخطأنا”. وظيفتهم الوحيدة هي توزيع الصكوك: هذا وطني لأنه يطبل للحرب، وهذا خائن لأنه قال لا للحرب. هذا مؤمن لأنه كفر بالمدنية، وهذا عميل لأنه طالب بالديمقراطية.

يوزعون صكوك الوطنية والتخوين، ظناً منهم أن هذا التجريم سيخلق لهم شعبية زائفة، ويمدد لهم في الحكم ولو على جماجم الناس.

ثالثاً: سقوط الغواصات.. عندما أصبحوا لعبة في يد قوى الردة

وهنا بيت القصيد، وهنا كشفت حرب 15 أبريل عورتها الكبرى.

لقد انكشف أمر بعض الغواصات، أولئك الذين كانوا يدّعون الثورية ويسكنون بيننا، يلبسون ثوب “الحياد” و”الموضوعية”.

لقد سقطت عنهم ورقة التوت، فإذا بهم مجرد أدوات رخيصة، لعبة في يد قوى الردة، يستلفون منها كل قبيح.

استلفوا منها لغة التخوين، فأصبحوا يخوّنون كل من يقول لا للحرب.
واستلفوا منها منطق الشماعة، فأصبحوا يعلقون كل شيء على القوى المدنية.
واستلفوا منها بذاءة اللسان، فأصبحوا يسبون الثورة وشهداءها في مجالسهم الخاصة بعد أن كانوا يهتفون معنا في القيادة.

هؤلاء هم الأخطر، لأن العدو الواضح تعرفه، أما العدو الذي يلبس ثوب الصديق فهو الذي يطعنك في الظهر. لقد باعوا مبادئ الثورة بثمن بخس، مقابل وعد من العسكر أو وظيفة من الكيزان، أو مجرد ظهور في قناة تلفزيونية تتبع للفلول.

الخاتمة: الحقيقة التي لا تموت

إن الشعب السوداني ليس ساذجاً كما يظنون. لقد خبر هذه الألاعيب لثلاثين عاماً.

يعلم جيداً أن من يشتكي من الحرب وهو صانعها، كمن يقتل القتيل ويمشي في جنازته.
ويعلم أن من يجعل من القوى المدنية شماعة، إنما يفعل ذلك لأنه يخاف من جوهر فكرتها: فكرة أن السلطة للشعب، لا للبندقية، وأن الحساب آتٍ لا محالة.

ستنتهي هذه الحرب، كما انتهت كل الحروب، وسيبقى السؤال الأخلاقي الكبير معلقاً في رقاب الجميع: أين كنت عندما كان الوطن يذبح؟ هل كنت معه، أم كنت مع من يذبحه ثم يشتكي من دمه؟

إن التاريخ لا يرحم، وذاكرة الشعوب لا تموت، وقوى الردة إلى زوال، ولو كره دعاة استمرار الحرب.

لا للحرب.. نعم للسلام.. والسلطة سلطة شعب.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة