الدكتوراه الفخرية التي منحتها الجامعة الحكومية الروسية للعلوم الإنسانية للبرهان، تزامناً مع مشاركته في القمة الروسية الإفريقية، أو بالأحرى سوق الموارد الاقتصادية والثروات مقابل السلاح والمليشيات، ليست سوى دكتوراه من جنس دكتوراه وداد بابكر مضوي، زوجة المخلوع البشير، الممنوحة من جامعة كرري. فالإخوان المسلمون سبقوا موسكو في هذا الامتياز، أي صرف شهادات الدكتوراه الفخرية لمن لا يستحقها، من خلال برنامجهم في (ثورة التعليم العالي) التي أحالت المؤهلين علمياً إلى مفصولين للصالح العام، وأتاحت منح الشهادات الفخرية لكل متسلق وفقيه رجل دين، حتى انهار التعليم العالي وأصبح الأمر مثار تندر وسخرية الشعب (لو ناديت في ميدان الأمم المتحدة العام يا دكتور، التفت إليك مائة واحد في لحظة). لكن ما يهمنا هنا ليس لقب الدكتور الذي أُضيف إلى سجل القاب الكاهن، وإنما بيع الدكتور البرهان للسودان بالقطاعي! في هذه الحرب اللعينة، فلا تزال التصريحات الموحية بصفقات خفية بين البرهان وكيزان بورتسودان ومصر تثير الريبة والاستفسارات، خصوصاً بعد ضرب الجيش المصري للمعدنيين السودانيين داخل حدود البلاد، في مقابل صمت لم يخرج عنه سوى إعلان تشكيل لجنة تحقيق. وقد أثار ذلك تساؤلات الشعب، هل تبرع البرهان والكيزان بتلك الأجزاء الحدودية بما فيها أرض منجم العقيدات، للمصريين؟ من اجل دعم مصر لحرب الكرامة؟ كما باعوا قبلاً حلايب وشلاتين، لكي يحموا رقاب الكيزان المتورطين في محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك؟ وصاحب الدكتوراه الفخرية هذا معلوم، فلم يسبقه رئيس كذوب يناقض أقواله أفعاله بهذا التسارع المذهل والمدهش. لكن الرأي العام المستنير يعلم أيضاً أنه محكوم بأن يتبع ما يفرضه عليه الكيزان الحكام الأصليون للدولة، الذين يحددون مسارات السياسات الداخلية والخارجية. فما غازل به روسيا من وعود أمام الرئيس فلاديمير بوتين، والتي تشبه وعد بلفور في زمانه، بشأن إتاحة فرص استثمارية للشركات الروسية في قطاع التعدين بالسودان، لم يكن سوى تنفيذ لخطة بيع قديمة، امتداداً لفساد الإخوان المسلمين وعلاقتهم النفعية بالروس، فقد أعلن البرهان أن (الخرطوم مستعدة لتوفير مواقع للاستثمار في استخراج الذهب والنحاس ومعادن أخرى، مقدماً مقترحاً لإنشاء منطقة اقتصادية حرة على البحر الأحمر لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين). وهنا مربط الفرس، أطماع روسيا في ميناء بورتسودان، أحد أهم موانئ البحر الأحمر، الذي عجزت حكومة الكيزان عن جعله قبلة اقتصادية فاعلة ومشرفة لاقتصاد البلاد. بل تحول الميناء إلى أوكار للكارتيلات، وتهريب موارد البلاد، وإغراقها بحاويات المخدرات وحاويات الويسكي، وغيرها من استثمارات الكيزان التي لم يعرف الناس حتى الآن بعد إعلان مصادرتها أين ذهبت؟ وبخصوص الوزير الغشيم الذي حاول التذاكي في بيت الثعالب، بالإشارة إلى الأوكرانيين ومساندتهم للدعم السريع في هذه الحرب، فقد بدا متجاهلاً لبراغماتية روسيا في اللعب على حبلي الطرفين. فروسيا التي تتودد اليوم لحكومة بورتسودان بحثاً عن قاعدة بحرية على البحر الأحمر، هي ذاتها التي نسجت علاقاتها مع حميدتي ومليشيات الدعم السريع عبر فاغنر وشبكاتها الاقتصادية والعسكرية. وليس سراً أن الذهب كان أحد أهم مفاتيح تلك العلاقة، فقد ارتبطت شركات فاغنر بامتيازات التنقيب عن الذهب في السودان، وبشبكات تجارته وتهريبه، التي وفرت لموسكو مورداً مالياً خارج القنوات التقليدية، في وقت كانت فيه تبحث عن مصادر تمويل لاقتصادها المتأثر بالعقوبات الغربية وحربها مع أوكرانيا، والأكثر إثارة للسخرية أن تجارة الذهب لم تكن بعيدة عن علاقة حميدتي بالكيزان، ولا عن المصالح في عهد المخلوع البشير، حين تمددت الشركات الروسية المرتبطة بفاغنر في التعدين، وشخصيات نافذة في النظام. فالذهب الذي يخرج من السودان عبر التهريب، وتمر بعض مسارات تجارته عبر دبي، ليس مجرد ثروة وطنية مسروقة، إنما مورد تجارة السلاح وتمويل المليشيات، وهكذا تتشابك مصالح حميدتي والكيزان والروس عند الذهب، حتى وإن تصارعت قواتهم عسكرياً في الحرب! روسيا لم تكن محرجة من التعامل مع حميدتي وفاغنر، وليست محرجة اليوم من مغازلة البرهان وحكومة بورتسودان، فلكل مرحلة فساد تجارها وصفقاتها، أما الثابت فهو أطماع روسيا في ذهب السودان وموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر، سعياً لقاعدة بحرية توسع بها نفوذها الإفريقي. أما الكيزان، فلا يزالون يبيعون الوطن لمن يضمن بقاءهم في السلطة، ثم يرفعون شعارات السيادة والوطنية، ويشيعون أنهم يخوضون حرباً من أجل الكرامة