الخريف 2026 في السودان: بين تحديات النينيو وتقلبات المناخ… كيف نحمي الموسم الزراعي ونؤمّن الإنتاج؟

الدكتور ادم عبدالرحمن
الدكتور ادم عبدالرحمن

دكتور آدم عبدالرحمن آدم
يكتب

يشكل موسم الخريف في السودان شريان الحياة لملايين المزارعين والرعاة، فهو موسم الأمل الذي تتجه إليه الأنظار كل عام انتظاراً للأمطار والخير والنماء. غير أن المؤشرات المناخية العالمية والإقليمية لهذا العام تدعو إلى قدر كبير من اليقظة والتخطيط، خاصة بعد إعلان دخول العالم مرحلة “تحذير النينيو”، إلى جانب استمرار تأثيرات التغير المناخي التي أصبحت واقعاً ملموساً في مختلف أنحاء العالم.
وتشير التقارير المناخية الدولية الصادرة في يونيو 2026، إضافة إلى مخرجات ملتقى التوقعات المناخية الموسمية للسودان (SUNCOF 3)، إلى أن الموسم الزراعي الحالي قد يشهد ظروفاً مناخية غير اعتيادية تتطلب من المنتجين الزراعيين والرعويين اتخاذ التدابير اللازمة للحد من المخاطر وحماية الإنتاج.
لقد دخلت ظاهرة النينيو مرحلة التأسيس الفعلي، مع توقعات متزايدة بأن تزداد قوتها تدريجياً خلال الأشهر القادمة، وربما تصل إلى مستويات قوية جداً مع نهاية العام وبداية العام المقبل. وفي الوقت ذاته، لا توجد حالياً مؤشرات من المحيط الهندي يمكن أن تحد من تأثيرها، مما يجعل آثارها أكثر وضوحاً على مناخ المنطقة.
ويأتي ذلك في ظل ارتفاع غير مسبوق في درجات حرارة سطح البحار عالمياً، الأمر الذي يزيد من اضطراب الأنظمة الجوية ويؤدي إلى تقلبات حادة في الطقس، تتمثل في موجات حر مرتفعة، وعواصف ترابية، وأمطار رعدية غزيرة في فترات قصيرة، يقابلها أحياناً انقطاع طويل للأمطار.
ومن أبرز التحديات المتوقعة خلال خريف 2026 تأخر بداية الأمطار الفعالة في أجزاء واسعة من المناطق الزراعية، خاصة في أقاليم الوسط والجنوب، مما يستوجب عدم التسرع في الزراعة بمجرد هطول أولى الأمطار، بل الانتظار حتى تستقر الحالة المطرية وتتحقق الرطوبة الكافية داخل التربة لضمان نجاح الإنبات.
كما تشير التوقعات إلى احتمال انخفاض كميات الأمطار وتذبذب توزيعها في عدد من المناطق الزراعية، الأمر الذي قد يؤثر على نمو المحاصيل ويزيد من مخاطر فقدان الإنتاج إذا لم تتم إدارة الموسم بحكمة وتخطيط.
وتبقى درجات الحرارة المرتفعة واحدة من أكبر التحديات هذا العام، حيث تؤدي إلى زيادة معدلات التبخر وفقدان الرطوبة من التربة، إضافة إلى تعرض المحاصيل والماشية للإجهاد الحراري، وهو ما يستدعي اهتماماً أكبر بإدارة المياه وتوفير مصادر الشرب والرعي للثروة الحيوانية.
ومن القضايا المهمة التي ينبغي الانتباه إليها كذلك احتمالية حدوث فترات جفاف داخل الموسم نفسه، وهي فترات ينقطع فيها المطر لأسابيع رغم استمرار موسم الخريف. وتُعد هذه الفترات من أخطر المراحل على المحاصيل، خاصة أثناء الإنبات وبدايات النمو، مما يتطلب متابعة دقيقة للنشرات الجوية واتخاذ التدابير المناسبة في الوقت المناسب.
ولمواجهة هذه التحديات، ينصح الخبراء المزارعين بالتركيز على الأصناف الزراعية المتحملة للظروف المناخية والمتوسطة أو قصيرة العمر، مع تعزيز جهود حصاد المياه وصيانة الحفائر والتروس والخزانات الصغيرة للاستفادة القصوى من كل قطرة مطر تهطل خلال الموسم.
أما بالنسبة للموسم الشتوي القادم، فتشير التوقعات إلى شتاء أكثر دفئاً من المعتاد، وهو ما يعني زيادة احتياجات المحاصيل الشتوية للمياه نتيجة ارتفاع معدلات التبخر. ولذلك تبرز أهمية الاستعداد المبكر عبر صيانة قنوات الري والطلمبات وتقليل فاقد المياه، إلى جانب اختيار الأصناف المناسبة للظروف الحرارية المتوقعة.
إن النجاح في موسم 2026 لن يعتمد فقط على كميات الأمطار، بل على حسن التخطيط وسرعة الاستجابة للمستجدات المناخية. فالمزارع الواعي اليوم لا يزرع وفق العادة فقط، بل يعتمد على المعلومة المناخية الدقيقة والمتابعة المستمرة للنشرات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للأرصاد الجوية السودانية.
وفي الختام، فإن التحديات المناخية مهما عظمت يمكن التعامل معها بالعلم والتخطيط والإدارة الرشيدة للموارد. ويبقى الأمل معقوداً على وعي المنتجين الزراعيين والرعويين، وقدرتهم على التكيف مع المتغيرات، حفاظاً على الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية وتعزيزاً للأمن الغذائي في السودان.
نسأل الله موسماً مباركاً، وخيراً يعم البلاد والعباد، وأن يحفظ السودان وأهله من كل سوء، وأن يجعل العلم والتخطيط سبيلنا لعبور التحديات وتحقيق التنمية والاستقرار. 🌾🇸🇩
Adam128855131@gmail.com

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة