السودان اليوم لا يمر بـ “أزمة” عابرة. السودان يرزح تحت كارثة مركبة: حرب أهلية مدمرة، وانهيار دولة، وخطاب تضليل ممنهج.
وفي الوقت الذي يدفع فيه المواطن الثمن دماً ودموعاً وجوعاً ونزوحاً، لا يزال البعض يردد الأسطوانة القديمة: “معنا أو ضدنا”.
أولاً: تشخيص الواقع بلا تجميل
الحرب: على وشك إكمال عامها الرابع. لا منتصر فيها. الخاسر الوحيد هو المواطن. تدمرت البنية التحتية، وانهار الاقتصاد، وتجاوز عدد النازحين واللاجئين الـ 15 مليوناً.
الدولة: لم تعد دولة بالمعنى المتعارف عليه. تحولت إلى إدارات أهلية ومناطق نفوذ. لا خدمات، لا قانون، لا أمن.
الخطاب السياسي: مختزل في معسكرين. معسكر “الحسم العسكري” الذي يمارس التخوين، ومعسكر آخر يتبنى خطاب إلغاء كل ما هو ماضٍ. والاثنان يتهربان من السؤال الجوهري: كيف نوقف النزيف؟
ثانياً: وهم الحلول السهلة
الوهم الأول: الحسم العسكري جُرب لأكثر من ثلاث سنوات. وكانت النتيجة مزيداً من الدمار ومزيداً من التشظي. لا جيش حسم، ولا الدعم السريع هُزم. الحسم العسكري في بلد متعدد ومتنوع هو بداية التقسيم.
الوهم الثاني: العودة إلى الوراء أي محاولة لإعادة إنتاج نظام 30 يونيو 1989 بلبوس جديد هي دعوة مباشرة لاستمرار الحرب. الشعب قال كلمته في ديسمبر 2018. والثورة لم تقم كي نعود لنفس الوجوه بنفس العقلية.
ليس أمامنا ترف الانتظار. الحل لا يكمن في انتصار طرف على آخر. الحل يكمن في إرادة وطنية جديدة تقوم على 4 ملفات:
وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار تسبقه هدنة إنسانية مفتوحة. أي تأخير هو جريمة في حق الشعب. والكرة الآن في ملعب من يملك القرار العسكري.
عملية سياسية تأسيسية ليست حوار نخب مغلق. بل حوار وطني حقيقي يشخص أزمة الدولة السودانية منذ 1956. ويناقش قضايا الحكم، والهوية، والجيش، والاقتصاد، والعدالة الانتقالية. دون ذلك سنظل ندور في الحلقة المفرغة.
إصلاح عسكري وأمني جذري تأسيس جيش مهني قومي واحد. وخروج المؤسسة العسكرية من السياسة والاقتصاد. وتفكيك كل الجيوش الموازية والمليشيات. هذا شرط لازم لقيام أي دولة.
العدالة والمحاسبة لا سلام بلا عدالة. يجب محاسبة كل من أجرم في حق الشعب منذ 1989 وحتى اليوم. فالعدالة هي الضامن الوحيد لعدم تكرار الحرب.
رابعاً: دور القوى المدنية
كفى انقساماً. وكفى بيانات. المطلوب الآن هو جبهة مدنية عريضة موقفها واضح: لا للحرب، نعم للسلام، لا لعسكرة السياسة، لا لعودة النظام البائد. ومن يرفض هذا الحد الأدنى فهو عملياً يختار استمرار الحرب.
الخاتمة : الاختيار الآن
يقف السودان في مفترق طرق لا يحتمل التأجيل: الطريق الأول: استمرار الحرب = دويلات + مجاعة + فوضى. الطريق الثاني: عودة الاستبداد = انفجار جديد أساسه يدخل الوطن في صراع الكل ضد الكل ويقضي على كل شيء. الطريق الثالث: سلام شجاع + إصلاح جذري + دولة مدنية ديمقراطية.
التاريخ لن يرحم المتفرجين. ولن يرحم بائعي الوهم. الوطن يحتاج إلى شجاعة قرار، لا إلى ادعاءات مبنية على شعارات خادعة.