أعمدة ومقالات

آخر أوراق المراوغة

عصب الشارع
صفاء الفحل

يبدو أن حدود معرفة قائد الانقلاب البرهان لما يدور حوله في البلاد لا تتعدى جرعات من العرديب وقيادة بوكسي بشارع النيل وخطاباً يتم تحفيظه له لإلقائه عقب صلاة كل جمعة. وقد وضح ذلك في آخر مراوغاته وهو يقول أمام جمع من الشباب بأنه لا وجود لأي قيد قانوني أو ملاحقة جنائية تطال تحالف “تقدم” أو أي ناشط أو معارض سياسي، وأن أبواب السودان مفتوحة على مصاريعها أمام جميع السودانيين على قدم المساواة بلا تمييز ولا إقصاء.

وهو يتجاهل عمداً أو خوفاً الخطب التي تلقيها حواضنه من مجموعات إسلامية وحركات دارفورية بأن لا مكان لقوى الثورة الوطنية داخل البلاد، والتهديد بجز رؤوسهم وتعذيبهم في المعتقلات إن هم عادوا، وما تضج به البلاد من عمليات قتل عشوائية وإفلات من العقاب وأحكام قضائية مسيسة، أو التعامل غير اللائق لـ”سفاراته” بالخارج مع المعارضين.

ويتلون الرجل كـ”الحرباء” وهو يتحدث قبل وقت قصير بأن “المجد للبندقية” وحدها ولا مجد للساتك، ليعود ليقول بأن المرحلة المقبلة تمثل منعطفاً تاريخياً ولحظة فاصلة في مسار الوطن تستدعي الوفاء الكامل والإخلاص لمشروع “ثورة ديسمبر المجيدة” بكل استحقاقاته وأهدافه الوطنية الحقة وبما يقطع الطريق نهائياً أمام منطق الأطماع السلطوية والوصاية والهيمنة. بينما تمتلئ سجونه بالمعارضين أو حتى من يتكلم همساً عن ثورة ديسمبر، مما يجعل حديثه اليوم وبالأمس مجموعة من المراوغات و”الأكاذيب” يحاول بها تارة إرضاء هؤلاء وغداً إرضاء آخرين.

أما الأغرب فهو اعترافه بأن حجم الدمار والخراب الذي بلغته البلاد قد فاق كل حد، وأن الوطن لم يعد يحتمل مزيداً من النزيف ولا مزيداً من المزايدات، بينما يرفض كافة المبادرات وكافة منابر السلام، ويعمل سراً وعلانية على تجييش كافة قطاعات الشعب وفتح الأبواب لفلول النظام السابق للتغلغل والسيطرة على مفاصل الخدمة المدنية.

ثم يكذب بصورة مفضوحة بأن المرحلة القادمة ستكون خالية تماماً من سطوة المليشيات ونفوذها، وستقوم على أسس راسخة من البناء الوطني الجامع وعلى قواعد الدولة المدنية الديمقراطية الكاملة التي تعبر عن إرادة السودانيين وتطلعاتهم، بينما تتصارع المليشيات داخل حكومته على المناصب وتهدد بالردة والحرب في حال المساس بتلك المناصب.

النميري قال من الحسرة والأسف بأنه لم يستمع لصوت الشعب، وهو يقولها من أمريكا والبلاد تغلي وقد سقط الأمر من يده: بأن تحالفه مع الإسلاميين كان أكبر خطأ في حياته. ونحن نكررها: بأنك ستقول ذلك قريباً إذا لم تستمع لصوت الشعب، وتفض هذه الشراكة “الخبيثة”، وتعمل على تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية، وتوقف هذه الحرب العبثية، وتتجه إلى مائدة التفاوض، وتسليم البلاد لحكومة مدنية انتقالية، وتجلس بعيداً لحمايتها دون تدخل سياسي. وأن تفعل ذلك دون مراوغات، وهو يعلم بأن البلاد تمضي إلى دائرة دم أكثر اشتعالاً سيدفع ضريبتها هذا الشعب المسكين.

وستظل الثورة مستمرة فهي أساس الخلاص النهائي.
وسيحاسب كل من قاد الوطن لهذا الدمار.
والرحمة والخلود أبداً لشهدائنا.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة