أعمدة ومقالات

قرار تجميد الحسابات في زمن الحرب: عقاب جماعي للمواطن وستار لفساد الكبار

د/ الأَمِينُ بِلَالُ مُخْتَار

أصدر بنك السودان المركزي خطاباً يلزم البنوك بتجميد أي حساب لم يتم تحديث بياناته خلال شهرين. القرار فنياً سليم لمكافحة غسل الأموال، ولكن تطبيقه الآن وفي ظل الحرب هو كارثة مصرفية وإنسانية، وغطاء مثالي لتمرير الفساد.

أولاً: القرار يتجاهل واقع الحرب تماماً
نحن نتحدث عن دولة مهجرة.

ملايين النازحين: مواطن من الخرطوم نازح في كسلا، ومن الفاشر نازح في تشاد، ومن الجنينة لاجئ في أديس. كيف سيصل لفرع البنك خلال شهرين؟

فقدان المستندات: البيوت حرقت والبنوك نهبت والجوازات والبطاقات ضاعت. المطلوب “إثبات شخصية ساري” غير موجود أصلاً.

انهيار البنية: لا شبكة، لا كهرباء، لا مواصلات، لا أمان. القرار يفترض أن السودان مستقر وهذا غير صحيح.

النتيجة: سنقوم بتجميد أموال الضحايا وليس المجرمين.

ثانياً: سيقتل ما تبقى من الاقتصاد الرسمي

شلل المرتبات والمعاشات: موظف حكومي نازح مرتبه سيدخل حساب مجمد. سيجوع.

هروب للسوق الموازي: المواطن سيسحب كل قروشه كاش ويتعامل خارج البنوك. بدل أن نوسع الشمول المالي سنعيده 20 سنة للخلف.

ضرب التحويلات: المغترب الذي يرسل لأهله سيجد حسابهم مقفول. الأسرة التي تعتمد على التحويلات ستنهار.

القرار الذي يهدف لمحاربة “التمويل غير المشروع” سيصنع سوق موازي أكبر وأخطر.

ثالثاً: البنوك نفسها غير قادرة… والفساد من الداخل
البنك المركزي يطلب “نظام مراقبة تقني مستمر”. الواقع:

60% من فروع البنوك متوقفة بسبب الحرب.

الكهرباء تقطع في المرة الواحدة أكثر من 72 ساعة.

السيستم واقع أسبوع كامل.
كيف يراقب البنك “الأنماط غير المعتادة” وهو غير قادر على تنفيذ تحويل عادي؟ نحاسب المواطن ونعفي المؤسسة.

والأخطر: هذا القرار يصدر من مؤسسة ظلت لعقود مركزاً لتمكين الفساد.
أين كان بنك السودان عندما كانت تفتح حسابات وهمية بالملايين لشركات الكيزان؟
أين كان عندما تم تهريب الذهب والدولار عبر “نوافذ خاصة” و”استثناءات” لا يعلم بها أحد؟
اليوم يتحدثون عن “تحديث البيانات” بعد أن سمحوا لشبكات النظام البائد بغسل المليارات داخل الجهاز المصرفي نفسه. من يريد محاربة غسل الأموال فليبدأ بتطهير بيته أولاً.

رابعاً: غياب العدالة والإنسانية في التطبيق
القرار لا يفرق بين:

تاجر كبير يغسل أموال الحرب عبر 10 شركات واجهة

وأم نازحة تحول 30 ألف لأولادها في المعسكر

ومعاشي عمره 70 سنة لا يستطيع الحركة

هذا اسمه “تعميم العقوبة” وهو أخطر أشكال الظلم الإداري في أوقات الأزمات.

ماذا كان يجب أن يفعل بنك السودان؟

تجميد القرار فوراً في ولايات الحرب والنزوح حتى إشعار آخر.

فترة سماح 12 شهر مع حملة توعية كبرى.

مراكز متنقلة لتحديث البيانات في معسكرات النزوح وداخل وخارج السودان.

قبول شهادة لجنة أو منظمة كبديل مؤقت لإثبات الشخصية.

استهداف دقيق: ركزوا على الحسابات الكبيرة والشركات الوهمية وكبار المهربين، لا على حساب المواطن الغلبان.

الخلاصة
نحن لا نرفض مكافحة غسل الأموال. نرفض أن نعالج السرطان ببتر اليد السليمة.
في زمن الحرب الأولوية هي إبقاء الناس أحياء وحفظ أموالهم، وليس تجميدها بحجة الورق.

قرار بهذه الصرامة في هذا التوقيت، ومن مؤسسة غارقة في فساد التمكين، يعني ثلاثة أشياء: إما جهل كامل بواقع السودان، أو تعمد لخنق المواطن ودفعه خارج النظام، أو محاولة لذر الرماد في العيون والتغطية على فساد الكبار.

الحرب وحدها كافية لتجويع الناس. لا تزيدوها بقرارات بيروقراطية تقتل ما تبقى من أمل، ولا تستخدموا “مكافحة غسل الأموال” كذريعة لمعاقبة الفقراء وحماية الفاسدين.
وَلَا يَصِحُّ إِلَّا الصَّحِيحُ.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة