أعمدة ومقالات

الإخوان ولعنة الرغيف الثالث؟!

الجميل الفاضل يكتب:

يبدو أن لعنةً ما، لا تزال تطارد مدبّري انقلاب الثلاثين من يونيو، من نفّذوه، ومن ورثوا عباءته، ومن ظنّوا أن السلطة مغنماً لا يُسترد، وأن الدولة رغيفٌ يُقتسم بينهم وحدهم، لا نصيب لبقية مكونات الشعب فيه.
تطاردهم الآن هذه اللعنة زرافاتٍ ووحدانًا، جماعاتٍ وأفرادًا؛ إذ كلما خرجت من بينهم فرقة، ولدت من رمادها فرقة، حتى بدا التنظيم الذي بدأ باسم «الجبهة القومية الإسلامية» كأنه شجرةٌ كثيرة الأغصان، لكنها لا تُثمر إلا ذات الثمرة: السلطة حين تحتكر الدين، والمال حين يلبس عباءة الدعوة.
أفضي الشيخ العرّاب حسن الترابي الي ربه، ولم يشيّعه بعض تلامذته الذين أدخلوه السجن مرات ومرات إلا بلعنات ذوي القربى، لا لأن الطريق كان خاليًا من مَخرج، لكن لأن التلاميذ الذين علّمهم فنّ التنظيم تعلموا منه أيضًا أن السلطة إذا ذاقها المرء صعب عليه أن يترك كأسها.
وهكذا ظلّوا يتنازعون الرغيف؛ كلما انكسر بينهم قال كل فريق: «الرغيف لي»، حتى انتهى بهم الطمع إلى أن ألقوا بأيديهم في حربٍ لا تُبقي ولا تذر، فصاروا يأكلون من جسد الدولة ما بقي فيه من لحم، ويقتسمون حتى الرماد بعد أن احترق بين أيديهم وطن بكامله.
ولعلّ هذا هو مغزي استدعائي لهذه الحكاية القديمة عن الرغيف الثالث.
حين كان مع المسيح عليه السلام رجلٌ يهودي، ومعهما ثلاثة أرغفة.
فلما أرادا الطعام لم يجد المسيح إلا رغيفين.
فسأل صاحبه: «أين الرغيف الثالث؟»
فأجاب: «والله ما كانا إلا اثنين».
هنا سكت المسيح.
ثم مرّا بأعمى، فمسح النبي على عينيه، فردّ الله إليه بصره.
قال الرجل: «سبحان الله».
فقال المسيح: «بحق من ردّ على هذا الرجل بصره، أين الرغيف الثالث؟»
قال: «والله ما كانا إلا اثنين».
ثم سكت المسيح مرة أخرى.
إلى أن بلغا نهرًا عظيمًا، فقال له: «قل باسم الله واتبعني»، فمشيا على الماء.
قال الرجل: «سبحان الله».
فسأله المسيح للمرة الثالثة: «أين الرغيف الثالث؟»
فقال: «والله ما كانا إلا اثنين».
ثم عندما بلغا الضفة، جمع المسيح ثلاثة أكوام من التراب، ودعا الله، فإذا التراب قد صار ذهبًا.
قال الرجل: «لمن هذه الأكوام؟»
قال السيد المسيح: «واحدًا لي، وواحدًا لك»، وسكت.
فقال الرجل: «وثالث الأكوام؟»
قال: «للذي أكل الرغيف الثالث».
حينها فقط، إعترف الرجل لأول مرة: «أنا أكلته».
فقال له المسيح: «إذًا كل هذه الأكوام لك». ومضى.
من هنا تبدأ قصة النهاية التي ربما نشهد في حاضرنا الراهن مقدمات تماثلها.
فالطامع لا يكتفي بما سرق، إنما يريد دائمًا أن يسرق حتى نصيب الآخرين من الشيء المسروق نفسه.
ثم جلس الرجل إلى الذهب، فجاءه ثلاثة فرسان، قتلوه واقتسموا الذهب.
قبل أن يهمس أحدهم إلى أحد صاحبيه: «لماذا نقسم على ثلاثة فلنأخذها نحن الاثنين».
ثم قالا للثالث: «اذهب فاشترِ لنا طعامًا».
مضى الثالث، فوسوس له الشيطان: «ولماذا لا تأخذه كله وحدك؟».
سمّم الرجل الطعام وعاد به، فعاجله صاحباه وقتلاه أولًا، ثم أكلا الطعام المسموم فماتا.
وهكذا كان الرغيف الثالث أول خيط في الحكاية، وكان الذهب آخر خيط فيها؛ فبين هذا الرغيف والذهب كان مصرع الجميع.
ثم عاد المسيح فوجد أربع جثث وذهبًا لم يمسّه أحد.
فقال: «هكذا تفعل الدنيا بأهلها؛ فاعبروها ولا تعمروها».
يا لها من قصة كأنها كُتبت اليوم، كأن الرغيف الثالث الذي خرج من مطبخ الأمس، ودخل قصر السلطة، ثم دخل خزائن المال، ثم دخل الحرب، ثم جلس في منتصف المائدة يقول للجميع اليوم: «أنا الرغيف الذي لم تأكلوه».
كلما سألهم أحد: «أين الرغيف الثالث؟» قالوا: «والله ما كان إلا اثنين».
لكن الرغيف كان هناك: في الخزانة، وفي الامتياز، وفي الوظيفة، وفي الصفقة، وفي السلاح، وفي الكرسي، وفي دولةٍ كاملة أُكلت قطعةً قطعة بينما أصحابها يهتفون:
«هي لله… هي لله،
لا للسلطة ولا للجاه».
يا للعجب! ما أكثر ما يرفع الإنسان اسم الله حين يريد أن يخفي اسمه في مسرح جريمة.
وما أكثر ما يقول: «هي لله»، ويده تمتد إلى ما ليس له.
فالمشكلة لم تكن يومًا في الرغيف الثالث وحده، لكن في هذا الذي يعرف أنه أخذه ثم يحلف أنه لم يأخذه.
وهنا تكون اللعنة؛ ليست لعنةً تهبط من السماء، لكنها سنةٌ تعمل في الأرض: فمن يجعل الدين سُلّمًا إلى الدنيا، تصير الدنيا نفسها سُلّمًا إلى هلاكه.
ومن يلتهم الرغيف في الخفاء، قد يملك الذهب، لكن الذهب لا يملك أن يشتري له ساعةً واحدة يهرب تحت جنحها من أجله المحتوم.
وهكذا تبدو أيضًا سيرة «الإخوان» في السودان كأنها نسخةٌ مكررة من حكاية الرغيف الثالث: رغيفٌ أختفي، ثم ذهبٌ اقتُسم، ثم تفرّق القوم؛ منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلًا.
إذ كلما ظن فريقٌ أنه نجا، خرج من بين يديه من يسأله: «أين الرغيف الثالث؟» فيقول: «ما كان إلا اثنين».
لكن التاريخ لا ينسى، والأرض لا تنسى، والذاكرة التي عرفت الحقيقة لا تنسى هي أيضاً.
ولذلك ربما لا تكون نهاية هذه القصة في مجرد سقوط حزب، ولا في انقسام جماعة، ولا في نهاية رجل مغرور حالم، طغى وتجبّر.
إنها أعمق من كل ذلك: إنها نهاية الوهم الكبير؛ وهم أن الله يمكن أن يكون ستارًا لشهية الإنسان إلى السلطة والمال.
فالله لا يحتاج إلى حزبٍ يحكم باسمه، ولا إلى بندقيةٍ تتكلم باسمه، ولا إلى خزينةٍ تُنهب باسمه.
الله غنيّ عن كل ذلك.
أما الإنسان، فهو الذي يحتاج أن يصدق مع الله قبل أن يطلب من الناس أن يصدقوا معه.
ولعلّ أبلغ ما يُقال في خاتمة هذا المقال ليس ما قاله المسيح للرجل، ولا ما قاله الرجل عن الرغيف، بل ما تقوله هذه الآية:
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ۝ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.
فالاستدراج ليس دائمًا سقوطًا مفاجئًا؛ قد يكون تمددًا في النفوذ، وزيادةً في السلطان، واتساعًا في المال، وانتصاراتٍ صغيرة تُنسي صاحبها أن الحبل وإن طال لا يعني أنه انقطع.
ثم يأتي اليوم الذي يكتشف فيه صاحب الرغيف الثالث أن القضية لم تكن في الرغيف، لكنها كانت في اليد التي امتدت إليه، وفي اللسان الذي أنكر وجوده، وفي القلب الذي صدّق كذبته حتى صدّق أنه يستطيع أن يخادع الله.
وعندها لا يبقى من الرغيف إلا فتاته، ولا من الذهب إلا بريقه، ولا من السلطة إلا ذكراها.
لأقول لمن سرقوا الرغيف الثالث:
ليس السؤال أين أخفيتموه،
لكن السؤال: ماذا حاق بكم؟ حين سرقتموه، وأقسمتم أنه لم يكن موجودا؟.
ثم أقول أخيرًا: كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة