اخبار السودان

السودان أمام «سبتمبر العقوبات».. هل يتجه مجلس الأمن نحو حظر سلاح شامل وإعادة رسم منظومة الضغط الدولي؟

تقرير – مدنية نيوز

يدخل ملف السودان في مجلس الأمن الدولي خلال سبتمبر 2026 مرحلة تتجاوز في أهميتها مسألة التجديد الفني لنظام العقوبات المفروض منذ أكثر من عقدين، إذ تتقاطع هذه المرة ثلاثة تحولات كبرى: اتساع جغرافيا الحرب، والتطور النوعي في الأسلحة المستخدمة، وتصاعد الأدلة والاتهامات المتعلقة بشبكات الإمداد والتمويل والتدخل الخارجي.

وفي قلب هذه التحولات يحل استحقاق 12 سبتمبر، موعد انتهاء العمل بنظام العقوبات السوداني المجدد بموجب القرار 2791 الصادر في 12 سبتمبر 2025، بينما تنتهي ولاية فريق الخبراء المساند للجنة العقوبات في 12 أكتوبر المقبل.

وبحسب تقرير Security Council Report الصادر في الأول من سبتمبر، ينتظر أن يصوت المجلس خلال الشهر الجاري على مشروع قرار لتمديد النظام.

غير أن السؤال الأكثر أهمية لم يعد: هل ستُمدد العقوبات؟

بل أصبح: أي نظام عقوبات يحتاجه السودان بعد أكثر من ثلاث سنوات من حرب تغيرت أدواتها وجغرافيتها وشبكات تمويلها؟

من دارفور إلى حرب على امتداد السودان

نشأ نظام العقوبات الحالي في سياق أزمة دارفور، ولذلك ظل حظر السلاح مرتبطاً بصورة أساسية بالجهات والعمليات العسكرية في الإقليم.

لكن حرب 15 أبريل 2023 أوجدت واقعاً مختلفاً جذرياً.

فالمعارك لم تعد محصورة في دارفور، وإنما امتدت من الخرطوم والجزيرة إلى كردفان والنيل الأزرق ومناطق واسعة أخرى، بينما أصبحت الطائرات المسيّرة والصواريخ والأسلحة بعيدة المدى جزءاً متزايد الأهمية من بنية الحرب.

ولهذا بدأ داخل مجلس الأمن تيار يرى أن الإطار الذي صُمم لمعالجة حرب دارفور لم يعد كافياً للتعامل مع حرب سودانية ممتدة على المستوى الوطني.

وخلال جلسة مجلس الأمن في 24 أغسطس، طرح المستشار الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس مجموعة مقترحات يمكن، إذا وجدت طريقها لاحقاً إلى قرارات المجلس، أن تحدث تغييراً جوهرياً في منظومة العقوبات.

وتضمنت المقترحات توسيع حظر الأسلحة ليغطي كامل الأراضي السودانية، والتأكيد بصورة أكثر وضوحاً على شمول الطائرات المسيّرة وأنظمتها وتقنياتها ذات الصلة، وزيادة عدد الخبراء العاملين مع لجنة العقوبات، فضلاً عن تعزيز التعاون بين فريق السودان وفرق الخبراء المعنية بأنظمة عقوبات أخرى في الإقليم.

وهنا تكمن نقطة التحول الأساسية.

فإقرار حظر يشمل السودان كله سيعني الانتقال من نظام جغرافي مرتبط بدارفور إلى أداة رقابة دولية يمكن أن تطال سلاسل الإمداد العسكري للحرب على المستوى الوطني بأكمله.

لكن هذا التحول لا يزال مقترحاً سياسياً يواجه مقاومة داخل المجلس.

«المسيّرات» تغيّر طبيعة النقاش

أحد أبرز العوامل التي تدفع نحو إعادة النظر في النظام هو الصعود السريع للطائرات المسيّرة باعتبارها سلاحاً مركزياً في الحرب.

ففي 12 أغسطس، شهدت عدة مدن، من بينها الأبيض وعطبرة وأم درمان والخرطوم، هجمات متزامنة بالطائرات المسيّرة نُسبت إلى قوات الدعم السريع.

وفي الأبيض، تتجاوز خطورة هذا النوع من الهجمات البعد العسكري المباشر، إذ تعرضت منشآت للطاقة والوقود وبنية تحتية مدنية للاستهداف، وسط تأثيرات امتدت إلى عمل المرافق الصحية ومحطات المياه.

ويشير هذا التحول إلى مشكلة تتجاوز مجرد دخول بند جديد إلى قائمة الأسلحة المستخدمة.

فالطائرات المسيّرة تقوم على منظومة توريد مركبة تشمل الطائرة نفسها، وأجهزة الاتصال والتوجيه، والمكونات الإلكترونية، والمحركات والذخائر، والتدريب والخبرات الفنية، وفي بعض الحالات شبكات مالية وتجارية وشركات وسيطة ومسارات نقل عابرة للحدود.

ولذلك يصبح تتبع «من باع السلاح؟» وحده أقل فاعلية من تتبع منظومة الإمداد بأكملها.

ومن هنا تأتي المقترحات الرامية إلى توسيع التعاون بين فرق خبراء العقوبات المختلفة، بما يسمح بتتبع الشركات والوسطاء والتمويل والمسارات اللوجستية التي قد تعمل عبر أكثر من دولة وأكثر من ساحة نزاع.

كردفان والنيل الأزرق يعيدان تعريف خريطة الحرب

التوقيت نفسه الذي يناقش فيه المجلس نظام العقوبات يشهد تحولات عسكرية كبيرة.

في شمال كردفان، شهدت الأسابيع الماضية عمليات واسعة ومحاولات للسيطرة على طرق ومدن استراتيجية، بينما أصبحت الأبيض واحدة من أهم عقد الصراع العسكري.

وتكتسب المدينة أهمية استثنائية بحكم موقعها الرابط بين وسط السودان وغربه، ولذلك فإن أي تغير جوهري في ميزان السيطرة حولها يمكن أن ينعكس على خطوط الإمداد والعمليات باتجاه دارفور وكردفان.

وفي النيل الأزرق، أثار اتساع المعارك في مناطق الكرمك وقيسان قرب الحدود الإثيوبية مخاوف إضافية بشأن انتقال الحرب إلى مستوى إقليمي أكبر.

وأشار تقرير Security Council Report إلى مزاعم تتعلق باستخدام الأراضي الإثيوبية ممراً للإمداد لقوات الدعم السريع، وإلى تقارير تزعم أن عمليات حديثة انطلقت من داخل إثيوبيا.

وتظل مثل هذه الادعاءات في حاجة إلى إثبات مستقل وحاسم، لكنها تكشف في الوقت نفسه حجم الاهتمام الدولي المتزايد بمسألة الجغرافيا الإقليمية لسلاسل الإمداد.

فالحرب السودانية لم تعد قابلة للتحليل من داخل الحدود السودانية وحدها.

التقرير السري لفريق الخبراء.. ملف داخل الملف

إلى جانب معركة تجديد العقوبات، توجد معركة دبلوماسية أخرى أقل ظهوراً للرأي العام تتعلق بالتقرير النهائي لفريق الخبراء.

كان مجلس الأمن قد طلب من الفريق تقديم تقريره النهائي في يوليو، وتسلمه أعضاء المجلس في 13 يوليو، لكنه ظل غير منشور حتى إعداد التوقعات الشهرية.

وتحول التقرير إلى موضوع حساس بعدما نشرت وكالة رويترز في 29 يوليو معلومات قيل إنها مستندة إلى محتوياته.

وفي 6 أغسطس، خاطبت دولة الإمارات مجلس الأمن معربة عن القلق إزاء الكشف غير المصرح به عن معلومات واردة في التقرير.

وبعد ذلك طلب فريق الخبراء من أبوظبي الرد على مجموعة من المسائل والادعاءات المتصلة بالحرب، قبل أن تقدم الإمارات في 20 أغسطس رداً قالت إنه يتضمن معلومات وأدلة ينبغي أخذها في الاعتبار.

الخلاف حول التقرير لم يكن إجرائياً فقط.

فقد ظهرت انقسامات داخل لجنة العقوبات بشأن توقيت مناقشته، مع مطالبة البحرين بتوفير وقت إضافي للحصول على توضيحات، ومساندة ليبيريا لهذا الاتجاه، بينما أيدت دول أخرى، بينها الدنمارك وفرنسا ولاتفيا وبنما والصومال وبريطانيا والولايات المتحدة، المضي في مناقشة التقرير.

ويكشف ذلك عن حساسية متزايدة تحيط بعمل فريق الخبراء، لأن القضية لم تعد تتعلق فقط بتوثيق المعارك والانتهاكات، بل بشبكات السلاح والتمويل والنقل والجهات الخارجية المحتمل ارتباطها باستمرار الحرب.

مجلس الأمن منقسم

رغم اتفاق أعضاء المجلس بصورة عامة على أن التدخلات الخارجية وتدفق السلاح يسهمان في استمرار الحرب، فإنهم يختلفون حول العلاج.

تدفع دول غربية، أبرزها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، إلى تطوير أدوات مجلس الأمن بما يتناسب مع تغير الحرب، ومن بين الخيارات المطروحة توسيع المجال الجغرافي للعقوبات وإضافة أفراد وكيانات جديدة إلى قوائم التدابير المستهدفة.

في المقابل، تعارض روسيا والصين وعدد من الدول الأفريقية توسيع نطاق نظام العقوبات إلى أنحاء السودان.

وتذهب موسكو إلى أن العقوبات لم تنجح أصلاً في وقف تدفق السلاح إلى دارفور، وبالتالي فإن توسيعها جغرافياً لا يعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في ضعف التنفيذ.

وهذه الحجة تضع المجلس أمام سؤالين مختلفين:

هل الخلل في نطاق العقوبات؟

أم في قدرة المجتمع الدولي على تنفيذها؟

فإذا كانت الأسلحة تواصل الوصول رغم وجود حظر بالفعل، فإن مجرد توسيع الخريطة التي يشملها القرار لن يكون كافياً ما لم يصاحبه نظام أكثر فاعلية لتتبع الشحنات والتمويل والموانئ والمطارات والشركات والوسطاء.

المرتزقة يدخلون إلى قلب الملف

أصبحت قضية المقاتلين الأجانب بدورها عنصراً متزايد الأهمية في نقاش السودان.

وفي 28 أبريل، أدرج مجلس الأمن أربعة أفراد على قائمة العقوبات، بينهم القوني حمدان دقلو، الذي وصفه التقرير بأنه مسؤول المشتريات في قوات الدعم السريع وشقيق قائدها محمد حمدان دقلو، إلى جانب ثلاثة مواطنين كولومبيين ارتبطت أسماؤهم بتسهيل عمليات عسكرية لصالح الدعم السريع.

ويمثل إدراج أجانب في نظام العقوبات إشارة مهمة إلى أن مجلس الأمن بدأ يتعامل بصورة أوسع مع الحرب باعتبارها منظومة لا تتكون من المقاتلين السودانيين وحدهم، وإنما يمكن أن تضم شبكات تجنيد ونقل وتمويل وخبرات عسكرية عابرة للحدود.

ماذا يمكن أن يحدث في سبتمبر؟

السيناريو الأكثر سهولة سياسياً هو تجديد نظام العقوبات القائم لمدة عام آخر من دون إدخال تعديلات جوهرية.

هذا الخيار يوفر الحد الأدنى من التوافق داخل المجلس ويحافظ على استمرار لجنة العقوبات وفريق الخبراء.

أما السيناريو الأكثر طموحاً فيتمثل في محاولة إدخال بعض العناصر الجديدة، سواء المتعلقة بالمسيّرات أو آليات الرقابة أو تدفقات السلاح.

لكن توسيع حظر السلاح ليغطي السودان بأكمله سيكون أكثر صعوبة بسبب الاعتراضات الروسية والصينية والأفريقية.

وهناك سيناريو ثالث قد يكون أكثر واقعية: أن يُجدد النظام الحالي الآن، بينما تبدأ مفاوضات سياسية وتقنية منفصلة حول تحديثه تدريجياً، مستفيدة من تقرير الخبراء والمعلومات المتعلقة بشبكات السلاح والمرتزقة والتمويل.

ما الذي يعنيه ذلك للسودان؟

ما يجري في مجلس الأمن أوسع من مجرد عقوبات جديدة أو قديمة.

إنه نقاش حول كيفية تعريف الحرب السودانية نفسها.

هل تظل في نظر المجلس امتداداً لملف دارفور وأدواته التي تأسست قبل عقدين؟

أم أن العالم أمام حرب سودانية ذات بنية جديدة، تمتد عبر الحدود، وتستخدم التكنولوجيا العسكرية الحديثة، وتمول من شبكات دولية، وتتشابك مع حسابات أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي والساحل؟

إذا انتصر الاتجاه الثاني، فقد تكون الأشهر المقبلة بداية انتقال في المقاربة الدولية من مراقبة «أطراف الحرب» إلى مراقبة اقتصاد الحرب وشبكاتها: السلاح، والطائرات المسيّرة، والذهب والتمويل، والمرتزقة، والموانئ والمطارات، والشركات والوسطاء وخطوط النقل.

وهنا تحديداً يمكن أن تصبح العقوبات أكثر تأثيراً، إذا انتقلت من معاقبة أفراد بعد وقوع الانتهاكات إلى تفكيك البنية التي تجعل استمرار الحرب ممكناً.

أما إذا بقي التنفيذ ضعيفاً وظلت اعتبارات التحالفات والمصالح الدولية والإقليمية أقوى من أدوات الرقابة، فقد يتكرر المشهد القديم: قرارات تتجدد في نيويورك، بينما تستمر تدفقات السلاح في الوصول إلى ساحات القتال.

ولهذا فإن استحقاق سبتمبر ليس اختباراً للسودان وحده، بل اختبار لقدرة مجلس الأمن نفسه على تحويل إدراكه المتزايد للطابع الدولي والإقليمي للحرب إلى أدوات قابلة للتنفيذ.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة