إن المتأمل في سياسة سلطة انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر يدرك أنها ليست سلطة جديدة، بل هي امتداد عضوي لانقلاب جماعة الإخوان المسلمين عام 1989م، بنفس العقلية والأدوات والمشروع.
وهي لا تملك استراتيجية لبناء الدولة، بل استراتيجية واحدة ثابتة: إدارة الحرب بالحرب، وتدوير المليشيات.
نفس اللعبة بنفس الأدوات
المعادلة لم تتغير منذ وصول تلك الجماعة إلى الحكم. جندت الحركة الإسلامية مليشيات الجنجويد وحرس الحدود لمواجهة الحركات المسلحة في دارفور، وبعد أن تحولت تلك المليشيات إلى وحش خرج عن السيطرة، انقلبت السلطة على صنيعتها واستعانت بعدو الأمس لتقاتل حليف الأمس.
واليوم، والحرب مشتعلة ودماء السودانيين لم تجف، تعيد السلطة الانقلابية غير الشرعية، وريثة انقلاب الإخوان، إنتاج السيناريو ذاته للمرة الثالثة، فتُجهّز القائد المليشياوي السابق لمواجهة القائد المليشياوي الحالي، في تبادل مريب للأدوار والمجندين كقطع الشطرنج.
ثم يخرج علينا رأس هذه السلطة، الذي أشعل كل هذه الحروب، ليدعو إلى حوار سوداني سوداني في قاعة فندق!
سلطة لا تبني دولة بل تدير فوضى
هذا السلوك يكشف حقيقة جوهرية: سلطة بورتسودان الانقلابية، كوريثة لسلطة الإخوان، لا تملك مشروع دولة، بل مشروع حرب أهلية مستدامة.
فهي لا تريد جيشاً قومياً مهنياً واحداً ولاؤه للوطن والدستور، بل تريد تعدد جيوش ومليشيات متناحرة تدين لها بالولاء الشخصي، لتظل هي الحكم والمتحكم والمستفيد الوحيد.
والمهزلة الكبرى أن من يدير هذه اللعبة الدموية هو من يبادر بالدعوة إلى الحوار!
أي مصداقية لحوار يدعو إليه من ظل عقوداً يمارس التجنيد المضاد لأبناء الوطن الواحد؟ وأي ثقة في حوار صادر عن سلطة انقلابية قامت ضد ثورة ديسمبر المجيدة ولا شرعية لها سوى البندقية وإدارة المليشيات؟
إن الحوار الذي يحتاجه السودان ليس حوار أمراء الحرب الذين صنعتهم سلطة الانقلاب، بل حوار الضحايا الحقيقيين: حوار النازحين واللاجئين، وحوار القوى المدنية التي ترفع شعار لا للحرب، حوار ينهي إلى الأبد سياسة تجنيد السوداني ضد السوداني.
الخلاصة
ما يحدث ليس فشلاً في إدارة الدولة، بل نجاح مقصود في إدارة الفوضى.
سلطة الخامس والعشرين من أكتوبر، بوصفها امتداداً لانقلاب 1989م، لا تريد إنهاء الحرب بل تدويرها، ولا تريد جيشاً واحداً بل مليشيات متعددة تتصارع تحت إمرتها لضمان بقائها.
الحل ليس في تدوير مليشيا ضد أخرى، بل في تفكيك كل هذه المليشيات وبناء جيش قومي مهني واحد، وإقامة حكم مدني ديمقراطي يحترم ثورة ديسمبر وينهي سياسة فرّق تسد إلى الأبد.