أعمدة ومقالات

بين شطب البلاغات و«الحصانة المؤقتة»: أي حوار هذا الذي يدعى إليه؟

( 1 ) بقلم السفير الصادق المقلي أصدر رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان قراراً بشطب البلاغات المقيدة بواسطة أي من أجهزة الدولة في مواجهة أي سوداني مقيم في الخارج يدخل البلاد للمشاركة في «الحوار السوداني»، إذا كانت تلك البلاغات متعلقة بفعل قام به أو رأي سياسي أدلى به.

وهذا في حد ذاته كلام جميل، ويفترض أن تكون حماية الرأي السياسي من أبجديات أي حوار جاد.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ماذا عن البلاغات الجنائية المقيدة في مواجهة بعض قيادات المعارضة في الخارج؟
فهذه البلاغات، بحسب ما هو معلن، لا تُقدَّم باعتبارها مجرد قضايا رأي سياسي، وإنما تستند إلى مواد في القانون الجنائي تتعلق بتقويض الدستور والتآمر ضد الدولة، وبعض هذه المواد تصل عقوبتها إلى الإعدام.
وهنا تحديداً تظهر أهمية و وضوح تصريحات وزير العدل، التي تحدث فيها عن «حصانة إجرائية مؤقتة» للمشاركين في الحوار، بحيث لا تُحرَّك في مواجهتهم إجراءات جنائية منذ دخولهم البلاد وحتى انتهاء الحوار، ولمدة إضافية يحددها مجلس السيادة.
بل إن وزير العدل أضاف أنه لا يجوز تحريك إجراءات جنائية ضد أي شخص بسبب رأي أدلى به أو يدلي به أثناء الحوار.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة:
هل نحن أمام إسقاط نهائي للبلاغات المتعلقة بالرأي السياسي فقط، كما يُفهم من تصريح البرهان؟ أم أمام حصانة إجرائية مؤقتة أوسع تشمل المشاركين في الحوار إلى حين انتهائه وما بعده، كما يُفهم من تصريح وزير العدل؟
الفرق بين الأمرين كبير جداً.
فالشخص الذي يخشى العودة إلى السودان ليس قلقه فقط من أن يُحاسب على رأي سياسي قاله، وإنما قد يكون قلقه الأساسي من أن تُفعَّل في مواجهته بلاغات مصنفة قانوناً باعتبارها جرائم جنائية، حتى وإن كانت خلفيتها في الأساس سياسية.
لذلك، المطلوب ليس فقط إعلان حسن النوايا، وإنما ضمانات قانونية واضحة ومكتوبة لا تحتمل التأويل.
فهذه هي النقطة التي ينبغي أن تكون فيها النقاط فوق الحروف.
و لعل تصريحات وزير العدل درف وضعت النقاط فوق الحروف و تناقضت تماما مع تصريح إلبرهان أو موافقته علي شطب البلاغات المتعلقة (( بالراي السياسي)) حيث كرر درف نفس بدعة (( الحصانة المؤقتة))
تعهد القرار بتمتع المشاركين في الحوار (( بحصانة إجرائية مؤقتة،)) ولا يجوز تحريك أي إجراءات جنائية في مواجهتهم من تاريخ دخولهم البلاد وحتى انتهاء الحوار لفترة كافية يحددها مجلس السيادة.

و في سياق تصريح إلبرهان المذكور أعلاه… أضاف الوزير (( لا يجوز تحريك أي إجراءات جنائية في مواجهة أي شخص بسبب رأي أدلى به أو يدلي به أثناء الحوار.)!
و علي ذمة مولانا القانوني سيف الدولة حمدنا الله. (( فأن البرهان بحسب القانون ليس لديه أي سلطة تخوِّله (شطب) البلاغات الجنائية وفق ما ورد المصطلح في نص القرار الذي أعلن عنه وزير العدل، وهي سلطة تكون (حصراً) من إختصص القضاء والنيابة، فالنيابة تقرر شطب الإتهام في مرحلة التحري إذا انتهت إلى عدم كفاية الأدلة لتقديم المتهم للمحاكمة، أما القضاء، يكون له سلطة إصدار القرار بشطب الإتهام بعد سماع المحكمة لقضية الإتهام وإستجواب المتهم وتنتهي إلى نتيجة بعدم وجود “بينة مبدئية” تؤدي إلى إدانة المتهم في حال عدم دحضها. هذه هي الحالات التي يستخدم فيها القانون مصطلح شطب البلاغ، ولا يوجد غيرها في القانون ))

الحوار السوداني ـ السوداني، من حيث المبدأ، فكرة لا ينبغي رفضها، بل ربما كان السودان في أشد الحاجة إليها. غير أن نجاح أي حوار لا يبدأ من الطاولة، وإنما من تهيئة المناخ وبناء الثقة وتحديد الغاية بوضوح. وهنا تبرز إشكاليتان أساسيتان في المشهد الحالي: غموض الضمانات القانونية والسياسية، وغموض الغاية التي يُراد للحوار أن يحققها.

فبينما تحدث رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان عن شطب البلاغات المقيدة بواسطة أجهزة الدولة ضد السودانيين في الخارج، إذا كانت متصلة بأفعال أو آراء سياسية، تحدث وزير العدل عبد الله درف عن «حصانة إجرائية مؤقتة» تبدأ من دخول المشاركين إلى البلاد وتمتد إلى ما بعد انتهاء الحوار. والفرق بين العبارتين ليس تفصيلاً لغوياً؛ فالشطب النهائي للإجراءات شيء، وتعليقها أو تحصين المشاركين منها لفترة محددة شيء آخر.
وهذا التباين في الخطاب الرسمي لا يساعد على بناء الثقة المطلوبة، خصوصاً لدى قوى معارضة تخشى أن تكون الضمانات مؤقتة، أو أن تعود الإجراءات القانونية إلى الواجهة بعد انتهاء الحوار. كما أن المطلوب، في أي ضمانات جادة، هو التمييز الواضح بين الرأي والممارسة السياسية من جهة، والجرائم الجنائية وحقوق الضحايا من جهة أخرى. فالمصالحة لا تعني محو العدالة، والعدالة لا ينبغي أن تتحول إلى أداة لإقصاء الخصوم السياسيين.
ومن هنا فإن إجراءات بناء الثقة ليست مسؤولية لجنة الحوار وحدها؛ فالدولة نفسها مطالبة بتهيئة البيئة التي تجعل المشاركة ممكنة وآمنة وذات معنى. وإذا كان الهدف هو حوار بين خصوم حقيقيين، فلا بد أن يشعر كل طرف بأنه يدخل إلى الطاولة آمناً من الانتقام السياسي أو القانوني، وأن ما يُقدم له من ضمانات واضح ومحدد وغير قابل للتأويل.

الحوار السوداني ـ السوداني، من حيث المبدأ، فكرة لا ينبغي رفضها، بل ربما كان السودان في أشد الحاجة إليها. غير أن نجاح أي حوار لا يبدأ من الطاولة، وإنما من تهيئة المناخ وبناء الثقة وتحديد الغاية بوضوح. وهنا تبرز إشكاليتان أساسيتان في المشهد الحالي: غموض الضمانات القانونية والسياسية، وغموض الغاية التي يُراد للحوار أن يحققها.

فبينما تحدث رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان عن شطب البلاغات المقيدة بواسطة أجهزة الدولة ضد السودانيين في الخارج، إذا كانت متصلة بأفعال أو آراء سياسية، تحدث وزير العدل عبد الله درف عن «حصانة إجرائية مؤقتة» تبدأ من دخول المشاركين إلى البلاد وتمتد إلى ما بعد انتهاء الحوار. والفرق بين العبارتين ليس تفصيلاً لغوياً؛ فالشطب النهائي للإجراءات شيء، وتعليقها أو تحصين المشاركين منها لفترة محددة شيء آخر.
وهذا التباين في الخطاب الرسمي لا يساعد على بناء الثقة المطلوبة، خصوصاً لدى قوى معارضة تخشى أن تكون الضمانات مؤقتة، أو أن تعود الإجراءات القانونية إلى الواجهة بعد انتهاء الحوار. كما أن المطلوب، في أي ضمانات جادة، هو التمييز الواضح بين الرأي والممارسة السياسية من جهة، والجرائم الجنائية وحقوق الضحايا من جهة أخرى. فالمصالحة لا تعني محو العدالة، والعدالة لا ينبغي أن تتحول إلى أداة لإقصاء الخصوم السياسيين.
ومن هنا فإن إجراءات بناء الثقة ليست مسؤولية لجنة الحوار وحدها؛ فالدولة نفسها مطالبة بتهيئة البيئة التي تجعل المشاركة ممكنة وآمنة وذات معنى. وإذا كان الهدف هو حوار بين خصوم حقيقيين، فلا بد أن يشعر كل طرف بأنه يدخل إلى الطاولة آمناً من الانتقام السياسي أو القانوني، وأن ما يُقدم له من ضمانات واضح ومحدد وغير قابل للتأويل.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة