أعمدة ومقالات

بعد نشرهم الفساد والتطرف والتجارة بالدين:

بعد نشرهم الفساد والتطرف والتجارة بالدين:
مواجهة ومجابهة الإسلام السياسي في الغرب والعالم الإسلامي

بقلم/ إيهاب الأمين

تشكل ظاهرة الإسلام السياسي واحدة من أخطر التحديات التي واجهتها الدول الغربية والشرقية على حد سواء خلال العقود الماضية إذ إن جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا في مصر عام 1928 لم تكن مجرد جمعية دينية بل تحولت إلى تنظيم سياسي عابر للحدود سعى إلى السيطرة على مفاصل الدولة والمجتمع في كل بلد حل فيه وقد أدركت دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا بعد سنوات طويلة من التساهل أن هذا التنظيم يمثل تهديداً حقيقياً للأمن القومي ولقيم الديمقراطية والحريات الفردية فبدأت في اتخاذ إجراءات حازمة لمحاربة نفوذه وتقييد أنشطته ففي ألمانيا كانت الحكومة من أوائل الحكومات الأوروبية التي بادرت إلى مراقبة أنشطة الإخوان عن كثب إذ أصدرت وزارة الداخلية الألمانية تقارير متتالية حذرت فيها من أن التنظيم يستخدم الجمعيات الخيرية والمساجد والمراكز الثقافية كأدوات للتجنيد ونشر الأفكار المتطرفة وقد صرح مسؤولون ألمان رسميون بأن الإخوان المسلمون لا يؤمنون بالنظام الديمقراطي بل يستغلونه للوصول إلى السلطة ثم إلغائه بعد ذلك وفي فرنسا اتخذت الحكومة خطوات أكثر صرامة حيث أغلقت عدداً من المؤسسات والجمعيات المرتبطة بالتنظيم وجمدت أرصدتها المالية ورحلت بعض قادتها بعد أن ثبت تورطهم في أنشطة تحريضية تهدد الأمن العام كما أصدر البرلمان الفرنسي تقارير تفصيلية حول تغلغل الإسلام السياسي في الضواحي الفرنسية وتحديداً في المناطق التي تقطنها جاليات مسلمة كبيرة حيث تعمل شبكات الإخوان على فرض رؤيتها المتشددة على الأفراد وعزلهم عن المجتمع الفرنسي أما في الولايات المتحدة الأمريكية فقد تصاعد الجدل حول دور الإخوان بعد أن كشفت تحقيقات مكتب التحقيقات الفيدرالي عن روابط مالية وتنظيمية بين بعض المؤسسات الإسلامية في أمريكا والبنية التحتية العالمية للتنظيم وقد أدرجت لجان في الكونغرس الأمريكي تقارير تدعو إلى تصنيف الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية أجنبية غير أن القرار النهائي لم يتخذ رسمياً على مستوى الإدارة الأمريكية بالكامل رغم وجود إجماع واسع بين المشرعين والخبراء الأمنيين على خطورة التنظيم وفي كندا اتخذت الحكومة نهجاً مشابهاً حيث أجرت أجهزة الاستخبارات الكندية مراجعات دقيقة لأنشطة الجماعات الإسلامية العاملة على أراضيها ووضعت قيوداً على تمويل بعض المؤسسات المشتبه في ارتباطها بالإخوان كما منعت عدداً من الشخصيات المرتبطة بالتنظيم من دخول الأراضي الكندية ولم يقتصر التصدي للإخوان المسلمين على الدول الغربية بل إن دولاً عربية وإسلامية عديدة سبقت الغرب في هذه المواجهة إذ صنفت مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين التنظيم كجماعة إرهابية وذلك بعد تجارب مريرة مع ممارساته فقد شهد التاريخ المصري الحديث كيف استولى الإخوان على الحكم عقب ثورة 25 يناير 2011 عبر انتخابات حملت محمد مرسي إلى الرئاسة غير أن فترة حكمه القصيرة كشفت عن نوايا التنظيم الحقيقية في أخونة مؤسسات الدولة وإقصاء المعارضة والسيطرة على القضاء والإعلام مما أثار غضباً شعبياً عارماً تجسد في مظاهرات الثلاثين من يونيو 2013 التي خرج فيها ملايين المصريين للمطالبة برحيله وقد أيدت قطاعات واسعة من الشعب المصري هذا التحرك الشعبي لأن التجربة أثبتت أن الإخوان لم يحكموا لصالح الوطن بل لصالح التنظيم وأجندته الدولية وفي ليبيا أسهم الإخوان بشكل مباشر في تفكيك مؤسسات الدولة بعد سقوط نظام القذافي حيث تحالفوا مع الميليشيات المسلحة وعملوا على عرقلة أي مسار سياسي يهدف إلى بناء دولة موحدة مما أدى إلى انقسام البلاد وحروب أهلية مدمرة خلفت آلاف القتلى والمشردين وفي سوريا دعم التنظيم فصائل مسلحة متطرفة وسعى إلى استغلال الثورة السورية لتحقيق مآربه الخاصة بدلاً من المساهمة في حل سياسي يحمي الشعب السوري من ويلات الحرب وفي تونس واجهت حركة النهضة التي تمثل الذراع السياسية للإخوان المسلمون انتقادات واسعة بسبب تورطها في اغتيالات سياسية استهدفت معارضين بارزين مثل شكري بلعيد ومحمد البراهمي مما أدى إلى أزمة سياسية حادة وإسقاط الثقة في قدرتها على الحكم الديمقراطي وفي اليمن لعب الإخوان دوراً مثيراً للجدل عبر حزب التجمع اليمني للإصلاح إذ اتهموا بالتعاون مع أطراف مختلفة وتغليب مصالح التنظيم على مصلحة الوطن مما فاقم من تعقيدات الصراع اليمني. إن الأسباب التي تدفع الدول إلى محاربة الإخوان المسلمون متعددة ومتشعبة فأولاً يستخدم التنظيم الخطاب الديني غطاء لأهداف سياسية بحتة مما يشكل تزييفاً للدين الإسلامي الحقيقي الذي يدعو إلى السلم والتعايش والاعتدال فالإسلام الحقيقي لم يأمر بإقامة دولة دينية قمعية ولا بالانقلاب على الأنظمة المنتخبة ولا باغتيال المعارضين السياسيين ولا بإثارة الفتن بين أبناء الوطن الواحد بل إن الإسلام يدعو إلى العدل والشورى واحترام العهود والمواثيق وقد حذر علماء مسلمون كبار من خطورة توظيف الدين في السياسة لأن ذلك يؤدي حتماً إلى تشويه صورة الإسلام وإلحاق الضرر بالمسلمين أنفسهم. وثانياً ثبت أن الإخوان المسلمين لا يؤمنون بالتعددية السياسية ولا بقبول الآخر بل إنهم يعتبرون أنفسهم الجماعة الوحيدة المحقة وأن كل من يخالفهم الرأي هو عدو يجب إسكاته أو إقصاؤه وهذه العقلية الإقصائية تتناقض جذريا مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تدعي الجماعة الدفاع عنها وثالثاً يعتمد التنظيم على السرية في عمله مما يجعل من الصعب محاسبته أو مراقبته بفعالية وقد كشفت وثائق وأبحاث أكاديمية عديدة عن بنية سرية هرمية داخل التنظيم تعمل بالتوازي مع واجهاته العلنية ورابعاً يتدخل الإخوان في شؤون الدول الأخرى من خلال شبكاتهم الدولية مما يمثل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية ويهدد الاستقرار الإقليمي أما الكوارث التي خلفها الإخوان في البلدان التي عملوا فيها فهي كارثية بالمعنى الحرفي للكلمة ففي مصر انهار الاقتصاد خلال عام حكمهم وتراجعت السياحة بشكل حاد وزادت معدلات البطالة والفقر وفي ليبيا تحولت البلاد إلى ساحة للصراعات المسلحة بعد أن كانوا من أبرز المستفيدين من الفوضى وفي تونس تدهورت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بشكل كبير خلال سنوات حكم حركة النهضة وفي غزة فرضت حركة حماس المرتبطة إيديولوجياً بالإخوان حكماً استبدادياً قمعت فيه الحريات وكرست موارد القطاع المحدودة لصالح بناء الأنفاق وتسليح الميليشيات بدلاً من تحسين حياة السكان المحاصرين لقد أدت هذه الممارسات إلى كراهية شعبية واسعة للإخوان المسلمين في أغلب الدول العربية والإسلامية إذ أظهرت استطلاعات الرأي المتكررة أن غالبية المواطنين في مصر وليبيا وتونس وسوريا واليمن يرفضون الإخوان ويعتبرونهم سبباً رئيسياً في تدهور أوضاع بلادهم وقد تجلى هذا الرفض الشعبي في المظاهرات الحاشدة التي شهدتها هذه الدول ضد حكم الإخوان وفي نتائج الانتخابات التي خسروها في أكثر من مناسبة وفي مقاطعتهم الاجتماعية من قبل قطاعات واسعة من المجتمع وفيما يتعلق بمستقبل التطرف الإسلامي وأحزاب الإخوان المسلمين فإن المؤشرات تشير إلى تراجع ملحوظ في نفوذهم وقدرتهم على التأثير فقد خسروا مواقعهم في أغلب الدول التي حكموا فيها أو نافسوا على السلطة وتواجه فروعهم في أوروبا وأمريكا ضغطاً متزايداً من الحكومات والأجهزة الأمنية كما أن الجيل الجديد من المسلمين في الغرب يميل أكثر إلى الاندماج في مجتمعاته ورفض الخطابات المتطرفة التي لا تتناسب مع واقع حياته ومع ذلك يظل التهديد قائماً لأن التنظيم يمتلك موارد مالية كبيرة وشبكات علاقات دولية واسعة وقدرة على إعادة إنتاج نفسه بأسماء وأشكال مختلفة كما أن الفراغ السياسي والاقتصادي في بعض الدول العربية لا يزال يوفر بيئة خصبة لنمو الأفكار المتطرفة. إن المواجهة الحقيقية مع الإسلام السياسي تتطلب جهداً متواصلاً على عدة مستويات فمن الضروري تعزيز التعليم النقدي الذي يحصن الشباب ضد خطاب التطرف ودعم الخطاب الديني المعتدل الذي يفصل بين الدين والسياسة ويشجع على قيم المواطنة والتسامح كما يجب على الدول الغربية أن تتوقف عن ازدواجية المعايير في التعامل مع التنظيمات الإسلامية المتطرفة وأن تتعامل مع الإخوان بنفس الحزم الذي تعاملت به مع تنظيمات متطرفة أخرى وقد أثبتت التجارب أن التساهل مع الإخوان بدعوى أنهم تنظيم سلمي لم يكن إلا وهماً إذ إن التاريخ أثبت أنهم يستخدمون السلمية تكتيكاً مؤقتاً وليس قناعة حقيقية وأن هدفهم النهائي هو إقامة دولة دينية تفرض رؤيتها على الجميع بالقوة إن لزم الأمر. بعد كل هذا يمكن القول إن محاربة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي المتطرف ليست حرباً على الإسلام بل هي حماية للإسلام من أولئك الذين يسيئون استخدامه ويحرفون رسالته السمحة لخدمة أهداف سياسية ضيقة وإن مستقبل المنطقة والعالم مرهون بقدرة الدول والمجتمعات على اجتثاث جذور التطرف وبناء أنظمة ديمقراطية حقيقية تحترم حقوق جميع مواطنيها بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو المذهبية أو السياسية.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة