على شاشة قناة أنالسودان، القناة القومية، وفي مشهد يعيد إلى الذاكرة زمن الإعلام الموجّه، جلس رهط من الصحفيين في حوار بدا فيه أن المساحة الأكبر لم تُخصص للحرب، ولا للكارثة الإنسانية، ولا لمعاناة السودانيين، وإنما للمعارضة السياسية في الخارج، وبصفة خاصة لتحالف «صمود».
وكان من بين المشاركين الصحفي مزمل أبو القاسم، الذي جاءت زيارتهم إلى الخرطوم في إطار المنتدى الذي شارك فيه عدد من الصحفيين والإعلاميين، متزامنة مع لقاءات مع رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ومع حملة إعلامية وسياسية صاحبت الزيارة.
وأنا هنا لا أناقش حق أي صحفي في زيارة الخرطوم، ولا حقه في مقابلة البرهان، ولا حقه في اتخاذ الموقف السياسي الذي يراه. إنما أناقش ما قيل على الهواء، وما ترتب عليه من ادعاءات تتجاوز الرأي إلى الحديث باسم الشعب السوداني، وتصنيف الخصوم سياسيًا، بل واتهام بعضهم باتهامات ذات طبيعة جنائية. أولًا: ماذا قال مزمل أبو القاسم؟ قال مزمل أبو القاسم، في مداخلته على قناة السودان: (( أنا لا أريد أن أتحدث كثيرًا عن المعارضين.. صمود.. في الخارج.. أمرهم بقى في يد الشعب السوداني.. لا بيد الجيش ولا بيد الأجهزة الأمنية.. قطيعتهم مشكلتهم مع الشعب السوداني.. لو جابهم البرهان ما بحلهم من قبضة الشعب السوداني )) .
هذا الكلام، في تقديري، يستحق التوقف عنده كلمة كلمة. لأن السؤال البديهي هو: من هو الشعب السوداني الذي يتحدث باسمه مزمل أبو القاسم؟ ومن أين جاء التفويض؟ ومتى مُنح؟ وبأي آلية؟ هل جرى استفتاء للشعب السوداني على «صمود»؟ هل جرت انتخابات؟ هل أُجري استطلاع علمي مستقل ومحايد يمكن أن نستند إليه للقول إن الشعب السوداني قد رفض «صمود»؟ هل أُخذ رأي ملايين السودانيين الموجودين في مناطق الحرب والنزوح واللجوء والهجرة؟ ومن الذي قرر أن «أمرهم بيد الشعب السوداني» ثم انتقل، في الجملة التالية، إلى الحديث وكأن نتيجة موقف الشعب محسومة ومعروفة؟ المشكلة هنا ليست في أن يكون مزمل مؤيدًا للجيش أو معارضًا لـ«صمود». هذا حقه السياسي والفكري. المشكلة تبدأ عندما يتحول الموقف الشخصي إلى تفويض افتراضي باسم شعب كامل. لا أحد يملك لسان الشعب السوداني،، السودان اليوم ليس كتلة سياسية واحدة. هناك سودانيون يقفون مع الجيش. وهناك سودانيون مع الدعم السريع. وهناك سودانيون يرفضون الطرفين. وهناك من يريد وقف الحرب فورًا. وهناك من يرى أن الأولوية لإنقاذ المدنيين. وهناك من يريد تسوية سياسية. وهناك من يرى أن الحرب لا يمكن أن تنتهي إلا بانتصار عسكري. وهناك ملايين لم يعد السؤال السياسي بالنسبة لهم هو «صمود أم الجيش؟»، وإنما: أين الماء؟ أين الدواء؟ كيف يعودون إلى بيوتهم؟ كيف يجدون قوت يومهم؟ أين أبناؤهم المفقودون؟ وكيف يعيشون في بلد انهارت فيه قطاعات واسعة من الدولة والاقتصاد والخدمات؟ هؤلاء جميعًا هم الشارع السوداني. وليس من حق صحفي، مهما كان اسمه أو موقعه أو قربه من السلطة، أن يختزل هذا الشعب المتشظي في موقف سياسي واحد ثم يتحدث باسمه. وإذا كان هناك تفويض شعبي للجيش، كما يقال باستمرار، فالسؤال البسيط هو: أين آلية هذا التفويض؟ أنا لا أنكر أن قطاعات واسعة من السودانيين تؤيد الجيش. لكن التأييد الشعبي شيء، والتفويض الدستوري أو الديمقراطي شيء آخر. وهذا الفرق يجب ألا يضيع في المعركة الإعلامية. لماذا «صمود» تحديدًا؟ الأكثر إثارة للاستغراب أن الحوار الذي استمر قرابة الساعة ــ بحسب ما شاهدناه ــ دار بدرجة كبيرة حول «قحت» و«صمود» والمعارضة السياسية في الخارج. لكن أين النقاش حول الدعم السريع؟ أين النقاش حول «تأسيس»؟ أين النقاش حول الإسلاميين؟ أين النقاش حول الحركات المسلحة التي شاركت في اتفاق جوبا ثم تشظت مواقفها وتحالفاتها؟ أين النقاش حول الكارثة الإنسانية؟ أين النقاش حول ملايين النازحين واللاجئين؟ أين النقاش حول الاقتصاد المنهار والعملة والأسعار والدواء؟ أين النقاش حول تدمير البنية التحتية؟ أين النقاش حول مستقبل الدولة وإعادة الإعمار؟ أين النقاش حول السؤال الأخطر: كيف تنتهي هذه الحرب؟ بدلًا من ذلك، وجدنا أن المعارضة السياسية السلمية في الخارج أصبحت هي العنوان الأبرز. وكأن المشكلة الأساسية في السودان هي وجود مجموعة سياسية في الخارج! المعارضة ليست جريمة وهنا ينبغي تذكير البعض بالتاريخ السياسي السوداني. المعارضة من الخارج ليست اختراعًا جديدًا. السودان عرف خلال عهود مختلفة معارضة سياسية خارج البلاد، كما عرف معارضة مسلحة، وعرفت قوى سياسية سودانية العمل من عواصم إقليمية ودولية في مراحل مختلفة. ولذلك فإن محاولة تقديم المعارضة السياسية في الخارج باعتبارها ظاهرة غير سودانية أو دليلًا بذاته على الخيانة أو العمالة هي قراءة انتقائية للتاريخ. قد نختلف مع «صمود». وقد نرفض مواقفها. وقد نرى أنها أخطأت في تقديرها السياسي. وقد نطالبها بمراجعة مواقفها. لكن الاختلاف السياسي لا يحوّل الخصم تلقائيًا إلى مجرم. والسياسة ليست محكمة.