أعمدة ومقالات

.. اضطراب يكشف زيف حوار الطرشان وعدم جدواه دون وقف الحرب:

د.الأمين بلال مختار

*alaminmukhtar@hotmail.com

تابعنا بكل أسف حديث الأستاذ عثمان ميرغني عضو ما تسمى بلجنة الحوار السوداني لقناة الحدث يوم أمس، فكان حديثًا غامضًا ومضطربًا ومتناقضًا، أكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الحوار الذي يتبناه هؤلاء هو حوار طرشان، لا يملك رؤية ولا يملك قرارًا.

فقد ذكر ميرغني بكل وضوح أن أجندة الحوار ودعواته ليست من صميم عمل لجنته. وهنا نسأل سؤالًا مشروعًا ومباشرًا: إذا كانت الأجندة ليست من صميمكم، والدعوات ليست من اختصاصكم، فمن الذي كوّن لجنتكم أصلًا؟ وما هو هدفها؟ ومن الذي يقدم الدعوات؟ ومن الذي يدير المنصة ويحدد الأجندة؟

إن لجنة لا تعرف من كونها، ولا تعرف من يحدد أجندتها، هي لجنة شكلية، مجرد واجهة ديكورية لحوار مطبوخ في مكان آخر، يُراد لها أن تبصم عليه فقط.

ثم يقع ميرغني في التناقض الأكبر، فيقول إن الحوار لكل السودانيين بما فيهم عناصر الإنقاذ (المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية)، مبررًا ذلك بأن الحوار يجب ألا يستثني أحدًا. فكيف تقول قبل قليل إن الأجندة وعناصر الحوار غير محددة، ثم تأتي بعد دقيقة لتحدد أن الحركة الإسلامية جزء أصيل من الحوار؟ هذا تناقض فاضح يكشف أن مهمة اللجنة هي فقط تسويق عودة الكيزان تحت لافتة (حوار لكل السودانيين).

ويضاف لكل هذا الخلل، عدم جدوى أي حوار سياسي دون هدنة إنسانية أو وقف شامل للحرب.

وهذه هي النقطة الجوهرية التي يتعمد عثمان ميرغني ولجنته القفز عليها. كيف تتحدث عن حوار سياسي والمدافع لا تزال تدوي، والطيران يقصف، والمسيرات تضرب، والمواطن يموت جوعًا ونزوحًا؟

إن الأولوية اليوم ليست للحوار السياسي المطاطي، بل لوقف الحرب. الصحيح والمنطقي والإنساني أن تبدأ المفاوضات أولًا بين الأطراف الحاملة للسلاح، بين الجيش والدعم السريع، للوصول إلى وقف إطلاق نار شامل، وهدنة إنسانية تسمح بمرور الغذاء والدواء وعودة النازحين.

أي حوار سياسي يتجاوز هذه الأولوية هو حوار عبثي ومضيعة للوقت، بل هو خداع للشعب. لا يمكن أن تجمع الناس في قاعة مكيفة في بورتسودان لتحدثهم عن مستقبل السودان، بينما أهلهم في الفاشر ودارفور وكردفان والخرطوم والجزيرة يموتون بالقصف والجوع.

كما أن حديثه عن سكة لحوار المكونات في مناطق سيطرة الدعم السريع هو حديث ساذج سياسيًا. هل تظن أن الدعم السريع سيسمح لك بالالتقاء بالناس وأنت تعد حوارًا مفصلًا على مقاس الجيش والبرهان والكيزان؟ وحتى لو سمح، هل ستقتنع تلك المكونات بلجنة تريد إعادة إنتاج نفس الوجوه التي أشعلت الحرب؟

إن الحوار الحقيقي له تراتبية معلومة في كل تجارب العالم: أولًا وقف الحرب، ثانيًا هدنة إنسانية ومسارات آمنة، ثالثًا مفاوضات عسكرية بين المتحاربين، رابعًا حوار سياسي شامل لا يستثني أحدًا إلا من أجرم في حق الشعب.واسقطته الثورة الشعبية في ديسمبر.

أما ما يفعله عثمان ميرغني وجماعته فهو قلب للتراتبية، يريدون حوارًا سياسيًا فوق جماجم السودانيين، وتحت أزيز الرصاص، ليشرعنوا استمرار الحرب لا لإيقافها.

لذلك نقولها بوضوح: لا جدوى من أي حوار لا يبدأ بوقف الحرب. الأولوية لوقف الحرب، وما عداه هو حوار طرشان.

اللهم اشهد أني قد بلغت، ولا يصح إلا الصحيح وبس.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة