أعمدة ومقالات

حتام نكرر أخطاءنا؟: كم مرة يحتاج الشعب السوداني أن يفشل حتى يتعلم؟

كم مرة يحتاج الشعب السوداني أن يفشل حتى يتعلم؟

بقلم/ إيهاب الأمين

كتبت عدة مرات وذكرت أن اختيار الحاكم حق من حقوق الشعب وليس منة من أحد ولا مكرمة من انقلاب ولا هدية تصل إلى الشعب محمولة على ظهر دبابة بل إنه حق أصيل وأبسط قواعد الحرية وكرامة المواطن لكن مشكلتنا في السودان أننا نملك ذاكرة سياسية قصيرة بصورة عجيبة إذ نجرب الحكم العسكري ونعيش نتائجه ونثور عليه ونسقطه مطالبين بالحكم المدني الديمقراطي ثم نعود بعد فترة للبحث عن عسكري جديد ونقول له تفضل جرب حظك معنا!
وهكذا تدور الساقية وتتغير الوجوه والشعارات بينما تبقى النتيجة واحدة وهانحن اليوم لم يعد الحديث عن مخاطر الحكم العسكري مجرد نقاش نظري أو استدعاء لتجارب الماضي فالسودان يعيش منذ أبريل 2023 حرباً كارثية اندلعت في سياق صراع على السلطة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بعد أن كان الطرفان شريكين في السلطة العسكرية التي أطاحت بالحكومة المدنية الانتقالية في انقلاب أكتوبر 2021 .. وبعد أكثر من ثلاث سنوات ما زالت البلاد تعاني من الحرب والنزوح والانقسام وتدهور الاقتصاد والخدمات فيما تسيطر القوات المتحاربة على مناطق مختلفة من البلاد وهنا يجب أن نتوقف قليلاً فإذا كانت تجربة الانقلاب السابقة قد ساهمت في إغلاق الطريق أمام الانتقال المدني وإذا كان الصراع على السلطة بين مكونات عسكرية قد انتهى إلى حرب بهذا الحجم فما الذي يجعلنا نعتقد أن المزيد من القوة العسكرية سيقودنا هذه المرة إلى دولة مستقرة؟ السودان لا يحتاج إلى دليل جديد على خطورة تحويل السلطة إلى مسألة عسكرية فقد دفع المواطن الثمن من أمنه وبيته ورزقه ومستقبله واليوم يواجه ملايين السودانيين النزوح والجوع والفقر والغلاء الفاحش وانهيار الخدمات بينما يستمر القتال وتتعاظم الأزمة الإنسانية والدبابة لا تتحول إلى برنامج اقتصادي لمجرد دخولها القصر الجمهوري كما أن البندقية لا تنتج عدالة والانقلاب لا يصنع شرعية مهما كثرت الخطب التي تحاول تزيينه. من يصل إلى السلطة بالقوة يعرف أنه لم يأخذها من صندوق الاقتراع ولذلك تصبح القوة حارسه الأول فتكثر الاعتقالات والتقتيل ومنع قول لا وتغيب الحريات وما يدل على غياب الوعي حتى عندما يكتب أحد الشرفاء منتقداً الحكومة نجد مواطنين عاديين يردون عليه ناشرين الوعيد والتهديد بأن الكاتب إن رجع بلاده سيواجه الاعتقال والسجن وهذا يثبت غياباً للوعي وجهلاً بالحقوق، ومع غياب التفويض الشعبي تظهر هذه الأدوات وتكثر الاعتقال.. التخويف.. التضييق.. إسكات الأصوات وإقصاء الخصوم.
أما الحكم المدني الديمقراطي ففكرته الأساسية بسيطة السلطة تفويض مؤقت والحاكم قابل للمحاسبة والتغيير فإذا نجح جدد له الناس ثقتهم وإذا
فشل غادَر عبر الصندوق لا عبر الدبابة لذلك شتان بين حاكم يحتاج إلى إقناع المواطن بإنجازاته وحاكم يحتاج إلى إخافة حتى يبقى في موقعه. والأكثر سخرية أن بعضنا لا يكتشف قيمة الديمقراطية إلا عندما يصبح الانقلاب ضد حليفه فإذا كان الانقلاب على خصمه اعتبره بطولة وإذا وقع على حليفه أصبح مؤامرة! وكأن الانقلاب يتغير اسمه بحسب الشخص الذي يجلس فوق الدبابة فلا ينبغي أيضاً أن نخدع أنفسنا بحكاية الحكومات الانقلابية المدنية لأن وجود رئيس وزراء مدني أو وزراء مدنيين لا يجعل السلطة مدنية إذا كان العسكري الذي قام بالانقلاب هو صاحب القوة والقرار وهو من يستطيع تعيين الحكومة أو إقالتها لذلك فإن العبرة بمن يملك السلطة فعلياً لا بمن يقف أمام الكاميرات والواقع السوداني الراهن يقدم لنا الدرس بأقسى صورة ممكنة بلد ممزق بين الحرب وملايين النازحين واقتصاد منهار وخدمات أساسية متدهورة ومؤسسات مدنية أضعفتها سنوات الصراع وفي الوقت نفسه ما زالت المعارك مستمرة في أجزاء من البلاد مع تصاعد استخدام الطائرات المسيرة واتساع آثار الحرب على المدنيين فهل ما زال منطقياً أن نبحث عن الحل في المزيد من العسكر؟..
المطلوب ليس أن نمنح أي حكومة مدنية شيكاً على بياض ولا أن نفترض أن المدنيين لا يخطئون فالديمقراطية لا تعني عصمة الحاكم بل تعني أن الشعب يملك الوسيلة السلمية لمحاسبته وتغييره زمن يفوز اليوم قد يخسر غداً ومن يخسر اليوم قد يفوز غداً وهذه ليست مشكلة بل هي طبيعة الحكم الديمقراطي لكن المشكلة أن نخاف من نتيجة الصندوق فنبحث عن فوهة البندقية لتقرر بدلاً منا.
لقد جرب السودان الحكم العسكري بما يكفي وجرب الانقلابات بما يكفي ودفع من أمنه واستقراره ودماء أبنائه ثمناً لا يمكن تجاهله لذلك فإن رفض الحكم العسكري ليس انحيازاً لشخص أو حزب ولا قحت ولا صمود ولا أي كيان مما يردده الكيزان ناقصو العقل وإنما دفاع عن حق السودانيين في أن يختاروا من يحكمهم وأن يحاسبوه وأن يغيروه دون حرب أو انقلاب فالمستقبل لا تصنعه الدبابات بل تصنعه وتحرسه العقول والوعي.
المستقبل تصنعه دولة يكون فيها السلاح تحت سلطة القانون والسلطة تحت رقابة الشعب والحاكم موظفاً مؤقتاً لا مالكاً للوطن. لقد جربنا الطريق نفسه مرات عديدة والواقع الذي نعيشه اليوم يقول إن ثمن التجربة أصبح أكبر من أن نعيدها مرة أخرى وأعظم فداحة من أن نكررها.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة