أعمدة ومقالات

معسكر الحرب: من تجارة الدم إلى فاتورة الخراب

د/ الأمين بلال مختار
*alaminmukhtar@hotmail.com
September/21/2026
في لحظة ما، تتوقف الحروب عن كونها صراعاً على السلطة وتصبح اقتصاداً قائماً بذاته، ومصالح مغلقة، وخطاباً يعتاش على الدم. هذا بالضبط ما يحدث الآن. هناك معسكر كامل تشكل على هامش هذه الكارثة، معسكر لا يرى في السلام حلاً، بل يراه تهديداً وجودياً له. ليس لأن النصر العسكري على الأبواب كما يزعمون في غرف الإعلام الحربي، بل لأن توقف البنادق يعني بدء الحساب. وتصريح وزير المالية جبريل إبراهيم الأخير هو الدليل المادي القاطع على هذا العبث.

يتحدث معسكر الحرب من فنادق مكيفة في الخارج، ومن استوديوهات بعيدة عن صوت الرصاص، بينما في الداخل يموت الاقتصاد موتاً بطيئاً ومهيناً. العملة الوطنية فقدت قيمتها، الأسواق تحترق كل صباح بسعر جديد، المصانع أغلقت وتحولت إلى خرابات، والبنوك لا تملك سوى طوابير اليائسين. وهنا يخرج علينا وزير المالية نفسه ليقدم لنا كشف حساب الانهيار، لكنه يقدمه كأنه قدر لا مفر منه.

يقول الوزير: في ظروف الحرب يزداد الطلب على العملات الأجنبية باستمرار. وهذه هي الجملة المفتاحية. الحرب نفسها هي سبب الانهيار. أنتم من اختار استمرار الحرب، والنتيجة الطبيعية هي انهيار العملة. لا يمكن أن تشعل بيتك ثم تشتكي من الدخان.

ويضيف: 8 ولايات سودانية خارج دائرة الإنتاج، وأصبحنا ننتج صفر بترول. 8 ولايات من أصل 18 ولاية، يعني نصف السودان متوقف تماماً عن العمل. لا زراعة، لا صناعة، لا تجارة. بلد كان يصدر البترول أصبح يستورد كل لتر جازولين بالدولار مع تضاعف أسعاره عالمياً. فكيف تطلب من شعب نصفه خارج الإنتاج أن يصبر على الحرب ويأكل من كد يده كما تقول؟

ثم تأتي الاعترافات الأخطر: الحرب ما تزال تأخذ كميات كبيرة جداً من الموارد المتاحة، والصرف في بورتسودان ليس كالصرف في الخرطوم، والعودة للخرطوم كلفتنا مبالغ طائلة لاستعادة الحياة وتأهيل المرافق وهذا أدى لزيادة الاستدانة من النظام المصرفي.

هنا مربط الفرس. الميزانية كلها تذهب للرصاص والمسيرات والمرتبات الحربية، ولا يبقى شيء للدواء والدقيق. الحكومة التي هربت إلى بورتسودان وأدارت موارد البلاد من هناك بعقود بالدولار وإيجارات فلكية لمقار وزارات بلا رقابة، تريد اليوم أن تعود للخرطوم فتكتشف أن الخراب الذي صنعته الحرب لا يمكن ترميمه بميزانية دولة مفلسة. أين ذهبت تلك المبالغ الطائلة؟ ذهبت في تأهيل جسور قصفت، ومحولات سرقت، ومطار دمر. كل جنيه صرف الآن هو جنيه كان يمكن أن يمنع تدميره لو توقفت الحرب قبل عام. هذا هو اقتصاد الحرب بامتياز: تدمر بيدك ثم تدفع المليارات لتصلح ما دمرته وتطبع العملة بلا غطاء لتغطي العجز، وهذا هو التضخم بعينه.

ولم يعد الحديث عن انتهاكات مجرد تقارير عابرة، بل تحولت إلى الروتين اليومي للحرب. بيوت تُنهب في وضح النهار، نساء يُنتهك جسدهن كسلاح حرب في دارفور وكردفان، شباب يُعتقلون على أساس الهوية، وأحياء كاملة تُقصف بحجة وجود هدف عسكري. معسكر الحرب يبرر كل شيء بضرورات المعركة. لكن أي ضرورة تبيح قصف مستشفى أو نهب سوق؟

في ظل هذا كله، أصبح الموت هو الشيء المجاني الوحيد. أكثر من نصف السودانيين إما نازح ينام في العراء أو لاجئ على الحدود. الدولة غابت كمفهوم خدمي. لا كهرباء، لا ماء نظيف، لا دواء. الماء يباع بالكارو، والمستشفيات هياكل بلا أطباء تفتك فيها الكوليرا بمن نجا من القذائف. ومع ذلك يخرج علينا خطاب معسكر الحرب بنفس اللازمة: الحرب حتى آخر جندي. والمفارقة المرة أن آخر جندي هذا هو دائماً ابن الفقير، بينما أبناء منظري الحرب يدرسون في الخارج آمنين.

إن سوء الأحوال هذا ليس نتيجة عرضية، بل أصبح أداة حكم مقصودة. الفوضى تخدمهم. شعب منهك يلهث وراء جرعة ماء لن يملك الوقت ليسأل: من أشعل هذه الحرب؟ أين ذهبت أموال المساعدات؟ من يبيع ذهب السودان ليشتري مسيرات تقتل السودانيين؟

لقد آن الأوان لنقول الحقيقة التي يحاولون طمسها: هذه الحرب لا يمكن حسمها عسكرياً. كل يوم إضافي فيها هو يوم إضافي من تمزيق السودان وتقسيمه وقتل ما تبقى من نسيجه الاجتماعي.

إن دعاة استمرار الحرب لا يدافعون عن سيادة الوطن، بل يدافعون عن سيادتهم هم على ما تبقى من الوطن. عن المناصب التي حصلوا عليها بدون انتخابات، وعن الثروات التي كدسوها باسم المجهود الحربي، وعن الحصانة من المحاسبة التي يمنحها لهم ضجيج المعارك. هم يعلمون أن أول يوم للسلام سيكون أول يوم للمحاسبة.

خلاصة تصريح وزير المالية ليست أسباب ارتفاع الدولار، بل هي إدانة كاملة لسياسة استمرار الحرب. هو يقول للشعب بصراحة: نحن نطبع الجنيه لتمويل الحرب، ونستورد كل شيء بالدولار لأننا لا ننتج شيئاً، والنتيجة أنكم ستدفعون الثمن من جيوبكم.

لذلك فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين جيشين، بل بين معسكرين: معسكر يريد أن يستمر الخراب لأنه يعتاش عليه، ومعسكر يريد أن تنتهي الحرب لأنه يموت فيها كل يوم. السلام ليس خيانة، السلام هو أن تعود المرأة إلى بيتها آمنة، وأن يفتح المعلم فصله، وأن يجد المريض دواءه، وأن ينخفض سعر الخبز.

ومن يقف حائلاً أمام كل هذا، ويصر على أن الحل هو المزيد من الموت وانعدام الخدمات وطباعة العملة، فهو ليس حريصاً على الوطن، بل هو خصمه الأول والمتسبب في كل المظالم وحالات الفقر والدمار الماثل امام الجميع ؛.ولايصح الا الصحيح وبس.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة