أعمدة ومقالات

إحباط أمريكي وإصرار كيزاني فاضح: تفاقم كارثة السودان ودعوات ملحة لفتح الممرات الإنسانية

بقلم/ إيهاب الأمين

أبدى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إحباطه العميق من التطورات المتسارعة والمأساوية للأوضاع في السودان مما يعكس قلقاً دولياً متزايداً من انهيار وشيك للنسيج الاجتماعي والإنساني في بلد بات يواجه واحدة من أسوأ الأزمات في العصر الحديث. جاء هذا التصريح في وقت تشهد فيه البلاد تدهوراً غير مسبوق في الأوضاع الأمنية والغذائية والصحية حيث تتفاقم معاناة الملايين من المدنيين العالقين بين مطرقة النزاع المسلح وسندان الحصار والإهمال الدولي ودعا روبيو بشكل صريح ومباشر إلى فتح ممرات إنسانية آمنة وفورية للتخفيف من حدة الكارثة الإنسانية التي تلوح في الأفق مؤكداً أن استمرار إغلاق هذه الممرات أو عرقلة وصول المساعدات يمثل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي وإنسانية المبادئ التي تدعو إليها الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.
إن فحوى ما قاله وزير الخارجية الأميركي يحمل في طياته رسالة مزدوجة الأولى موجهة لأطراف النزاع الداخلي بضرورة الكف الفوري عن استخدام التجويع كأداة حرب والثانية موجهة للمجتمع الدولي بضرورة التحرك من مرحلة الإدانة اللفظية إلى مرحلة الفعل الميداني الحقيقي ويشير هذا الموقف الأميركي إلى تحول محتمل في سياسة واشنطن تجاه الملف السوداني حيث قد تنتقل من دور المراقب أو الوسيط التقليدي إلى دور أكثر ضغطاً من خلال ربط أي تعاون مستقبلي أو رفع للعقوبات بمدى استجابة الأطراف الفاعلة على الأرض لمطالب حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات دون قيد أو شرط ومن المتوقع أن يترتب على هذا الكلام تحركات دبلوماسية مكثفة في الأروقة الدولية بما في ذلك مجلس الأمن الدولي للدفع نحو قرار ملزم يضمن حماية الممرات الإنسانية ويفرض آليات مراقبة صارمة على أي طرف يحاول عرقلة جهود الإغاثة ولا يمكن فصل هذا التصريح عن الواقع المرير الذي تعيشه ولايات السودان خاصة في مناطق دارفور وكردفان حيث تشير تقارير أممية موثوقة إلى أن ملايين الأشخاص يقفون على شفا مجاعة حقيقية مع انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية ونزوح قسري لملايين آخرين داخل البلاد وخارجها. إن الدعوات لفتح الممرات الإنسانية ليست رفاهية دبلوماسية بل هي مسألة حياة أو موت لملايين الأطفال والنساء وكبار السن الذين يعتمدون بشكل كلي على المساعدات الخارجية للبقاء على قيد الحياة ومن المحاور المترتبة على هذا الخبر أيضاً ضرورة محاسبة مرتكبي الانتهاكات ضد المدنيين حيث أن الإفلات من العقاب كان دائماً المحرك الرئيسي لاستمرار دائرة العنف في السودان وقد تلجأ الإدارة الأميركية إلى تفعيل أدوات عقابية جديدة تستهدف بشكل مباشر القادة العسكريين أو الجماعات الميليشياوية الذين يثبت تورطهم في عرقلة المساعدات الإنسانية أو استهداف المدنيين.
ما بعد هذا التصريح قد يشهد تصعيداً في اللهجة الدبلوماسية الأميركية وربما تلويحاً بخيارات أكثر حزماً إذا لم تستجب الأطراف المتحاربة لمطالب المجتمع الدولي ومن المشاهد المتوقعة أن تحاول واشنطن حشد تحالف إقليمي ودولي أوسع يضم دول الجوار الأفريقي والعربي لدفعها نحو ممارسة ضغوط حقيقية على أطراف النزاع بدلاً من الاكتفاء بالبيانات المشتركة التي لا تغير شيئاً على الأرض كما أن هذا الموقف يضع الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية غير الحكومية في موقع يتطلب منها تعزيز آليات التنسيق الميداني لضمان أن تصل المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجا دون أن يتم تحويلها أو مصادرتها من قبل الجماعات المسلحة.
إن الأزمة في السودان ليست مجرد نزاع محلي بل هي بؤرة توتر إقليمي تهدد استقرار منطقة القرن الأفريقي بأكملها وتفتح الباب أمام تداعيات أمنية واقتصادية واسعة النطاق تشمل الهجرة غير النظامية وانتشار الأسلحة وتفكك مؤسسات الدولة لذلك فإن الدعوة لفتح الممرات الإنسانية هي خطوة أولى ضرورية ولكنها غير كافية وحدها لوقف النزيف السوداني ما لم تقترن بآلية سياسية واضحة وجادة تقود إلى وقف شامل لإطلاق النار وبدء عملية انتقالية حقيقية تعيد الشرعية للمؤسسات المدنية. إن العالم يراقب الآن عن كثب هل ستترجم هذه الدعوات الأميركية إلى أفعال ملموسة تنقذ أرواح الملايين أم ستبقى حبراً على ورق في وقت ينفد فيه الأمل والوقت معاً أمام شعب السودان الذي ينتظر بصبر مؤلم نهاية لكابوس طال أمده كثيراً.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة