بل بس .. فكانت المعاناة حين يصبح المواطن فاتورة الحرب
د.الأمين بلال مختار
لم تأتِ معاناة المواطن السوداني اليوم من فراغ. فانهيار الخدمات، وتردي البيئة التعليمية والصحية، وغلاء المعيشة، وتفاقم الأزمة الاقتصادية.. كلها ليست “أقداراً” نزلت علينا. إنها النتيجة الطبيعية المباشرة وغير المباشرة لشعار واحد تم رفعه بلا حساب: “بل بس”. عندما اختار البعض طريق البندقية على طاولة الحوار، كان الثمن معلوماً سلفاً. وكان الدافع هو المواطن.
أولاً: التعليم.. جيلٌ ضائع توقفت المدارس والجامعات. تهدمت الفصول، ونزح المعلمون، وتشرد الطلاب. البيئة التعليمية التي كانت تعاني أصلاً تحولت إلى أطلال. مليون طفل خارج مقاعد الدراسة، ومناهج متوقفة، وامتحانات مؤجلة. هذه ليست أزمة إدارة. هذا هو الوجه التعليمي للحرب. جيل كامل يدفع الآن ضريبة قرار لم يشارك فيه، بحجة “الحسم العسكري”.
ثانياً: الصحة.. موتٌ بالمجان انهار النظام الصحي. خرجت 80% من المستشفيات عن الخدمة في مناطق النزاع. انعدمت الأدوية المنقذة للحياة، وانتشرت الأوبئة، ومات المرضى في الطرقات بحثاً عن علاج. حتى المستشفيات التي صمدت تعمل بلا كهرباء ولا ماء ولا كوادر. ما يحدث في الصحة ليس إهمالاً. إنه قتل غير مباشر نتيجة مباشرة لإطلاق الرصاصة الأولى.
ثالثاً: المعيشة والاقتصاد.. سحق الطبقة الوسطى تضاعفت الأسعار عشرات المرات. تبخرت المدخرات، وتوقفت المصانع، وتعطلت الزراعة، وانهار الجنيه. أصبحت لقمة العيش حرباً يومية يخوضها المواطن. النزوح الداخلي واللجوء الخارجي فاقما الأزمة. فلا عمل، ولا إنتاج، ولا أمان. الحرب لم تدمر البنية التحتية فقط، بل دمرت النسيج الاقتصادي والاجتماعي للدولة. هذا هو الثمن الاقتصادي لشعار “بل بس”.
إن معاناة المواطن اليوم في كل مناحي الحياة هي شهادة وفاة مسجلة باسم “الحرب”. وطالما أن منطق “بل بس” هو الحاكم، فستظل المعاناة هي القاعدة، وستظل الحياة الكريمة هي الاستثناء.
الحرب لا تنتج إلا الخراب.. والمواطن هو من يدفع الفاتورة كاملة. ولا يصح إلا الصحيح وبس.