منذ 15 أبريل طالبنا بوقف الحرب. قلنا بوضوح: الحل السياسي أرخص للوطن والمواطن من استمرار البندقية. ولكن الرهان كان على شيء آخر.
كان الرهان على استمرار الحرب وتبعثر الدعم السريع.
أولاً: وهم “تبعثر الدعم السريع” وتفريخ المليشيات
يعول البرهان والجيش اليوم على أن تفكك الدعم السريع لمجموعات هو انتصار. هذه قراءة قاصرة وخطيرة.
عندما تتفاوض مع حميدتي فأنت تتفاوض مع مركز قرار واحد. لكن عندما يتبعثر، ستجد نفسك أمام ألف حميدتي.
اليوم: النور القبة، السافنا، وغيرهم من المنشقين يعملون استقطاباً لصالح أنفسهم. غداً: كل ضابط صغير سيصبح “قائد جيش” و “رئيس دولة”.
والأدهى والأمر: كل هذه الفصائل تُسلح وتُعدد وتُمول من مال الشعب المغلوب على أمره. مال الصحة والتعليم والخبز يتحول إلى رصاص وبنزين لجيوش لا تحمي المواطن.
هذا ليس تفكيكاً. هذا تفريخ ممول من جيبك. تفريخ لأزمة أعقد وأطول.
ثانياً: انفجار الجغرافيا المسلحة
لم يعد السلاح حكراً على طرفين. انظر للخارطة:
الوسط والشمال والخرطوم: مجموعات قبلية مسلحة خارج الإطار النظامي. التحقت بالحالة التي كانت عليها في الشرق والغرب.
المجموعات المنشقة من الدعم السريع: تتحول إلى قوات حرب صغيرة.داخل المدن وخارجها
والمشتركة خلافاتها مع البرهان مؤجلة ولكنها قادمة. والمتسبب في هذا المشهد لغة المصالح الخاصة على حساب المصالح العليا. النظرة الضيقة وغياب المصداقية، بالإضافة إلى حب السلطة مهما كلف الأمر. ليس في حساباتهم تضرر الوطن والمواطن إنها نتيجة حتمية لمواجهات قادمة داخل معسكر الحرب نفسه. وأثر ذلك مزيد من الدماء وتغذية الخلافات على مستوى السلطة المنهارة التي تتنازعها عدد من مراكز القرار المسلح.
النتيجة: كل الوطن جغرافياً أصبح يحمل السلاح. سلطة همها تمدد العنف. دولة اسمها السودان، وجيوشها بعدد القبائل والأفراد.
ثالثاً: عقلية “فرق تسد” ووصاية العسكر على السياسة
هذه العقلية تتعاطى مع أزمات الوطن بمنطق واحد: إما الجسم، أو سياسة فرق تسد وكشكش تسد.
لا تريد حلولاً. تريد خصوماً أضعف. وتريد أن تكون هي الوصي على الجميع.
قيادة الجيش تبنت السياسة وفرضت الوصاية على القوى المدنية. وفي نفس الوقت تخدم أجندات الحركة الإسلاموية، وتعمل على شيطنة قوى الثورة التي نادت بالسلام والحرية والعدالة والحكم المدني.
النتيجة: لا جيش يحارب، ولا سياسي يحكم. فقط وصاية تفرخ الفوضى.
رابعاً: تحول الصراع.. من السياسي إلى الإثني
الأخطر أن الحرب انتقلت من كونها صراع عسكري وسياسي إلى منحى اجتماعي وإثني. دخلت لغة جديدة: التصفية، الثأر، الدم .
عندما تصبح الحرب ثأراً قبلياً، لم تعد تحتاج إلى جنرال ليأمرك بالقتال. ستقاتل من أجل جدك وأبيك.
وهذا هو الموت الحقي للسودان.
الخلاصة: أمامنا خياران لا ثالث لهما
إما أن نعترف اليوم أن الرهان على التبعثر فاشل، وأن تعدد الجيوش يعني تعدد الدول. وإما أن نكابر وننتظر “كشكش تسد” حتى نصحى على 5 دول بدل دولة واحدة. الحل لم يكن يوماً في القضاء على طرف. الحل في إيقاف آلة تفريخ الجيوش الممولة من قوت الشعب، وسحب الجيش من السياسة، وإعادة بناء جيش مهني واحد. وتأسيس السودان على نهج جديد قوامه الحقوق والواجبات المتساوية بين الجميع.
غير ذلك، فنحن لا نحارب من أجل وطن. نحن نحارب بمالنا من أجل تقسيمه.