طيف أول: للّون الأبيض، وللنوايا التي تفيض صدقاً، ولساحة الرحمة بلا قسوة، ولطواف اللهفة للمغفرة، وللقلوب المتقدة بالسكون.
وبالأمس نشرت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية مقالاً بعنوان: “السعوديون والحوثيون وإسرائيل”، كتبه فريقها التحريري. ويُفتتح المقال بالإشارة إلى “الشدة التي تمر بها السعودية” بسبب هجمات الحوثيين؛ ما دفعها إلى طلب المساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية بل ومن إسرائيل، على حدّ وصف الصحيفة، في الوقت الذي خرجت فيه الخلافات بين الرياض وأبوظبي بنتائج عكسية. وفي ظل هذه المتغيرات، يرى المقال أن أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “فرصة حاسمة” ليقول فيها: “كِش ملك” كما في لعبة الشطرنج، من خلال رعاية نوع من “التعاون السعودي الإسرائيلي الإماراتي”. هذا التعاون، بحسب الصحيفة، مطلوب لمواجهة إيران وجماعة أنصار الله الحوثية الموالية لها في اليمن، ولا يمكن تحقيقه إلا بمساعدة القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم”. وترى وول ستريت جورنال أن المزاعم السعودية بالسيطرة على الموقف في المنطقة “تبددت تماماً” بعد أن استولى الحوثيون على مناطق حيوية على طول ساحل البحر الأحمر في اليمن. كما “تبدد الأمل السعودي” في أن “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” المبرمة حديثاً مع باكستان وتركيا ستكون مفيدة في هذا السياق. ومن هذا المنطلق، ترى الصحيفة الأمريكية أن الرياض في حاجة إلى “حلفاء أفضل”، لا سيما بعد أن سعى السعوديون بالفعل للحصول على معلومات استخباراتية إسرائيلية حول الحوثيين عبر وسطاء من القيادة المركزية الأمريكية).
وقراءة هذا المقال من زاوية متصلة تكشف أنه في سياق التصعيد الحوثي على البحر الأحمر، تبدو حاجة السعودية للدعم الأمريكي ليست مجرد تعاون أمني، بل ورقة ضغط سياسية تمنح واشنطن قدرة أكبر على توجيه مواقف الرياض في ملفات إقليمية أخرى، ومنها السودان. فالولايات المتحدة لا تقدّم دعماً مجانياً، بل تربطه عادةً بثمن سياسي، وأبرز ما قد تطلبه هو أن تعود السعودية إلى موقع “الوسيط” في ملف الأزمة السودانية بدل الظهور كطرف داعم للبرهان، خاصة بعد إعلان واشنطن أنها لا تعترف بالبرهان إلا كحكومة أمر واقع الأمر الذي يبدد المشروع الإقليمي المتمسك بضرورة بقاء الجنرال ومع حاجة الرياض المتزايدة الآن لمساعدة واشنطن في مواجهة الحوثيين، يصبح من المنطقي أن تتجنب السعودية أي موقف يتعارض مع الرؤية الأمريكية، وهو ما قد يدفعها إلى إعادة تموضعها في الملف السوداني، وتخفيف دعمها المباشر للبرهان، والتركيز على دور أكثر حياداً يخدم توازنات الإقليم ويستجيب لمتطلبات الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة. ومعلوم أن الرياض كانت أوّل من أسّس منبرًا للسلام في السودان “منبر جدة”، وأوّل من وصف الجيش والدعم السريع بأنهما “طرفا صراع”، ولم تربط وقتذاك موقفها بمخاوف أمن البحر الأحمر. لكن تبدّلت مواقفها بصورة لافتة عندما غيّرت مقعدها على طاولة المشهد الإقليمي بصورة واضحة ووقت بجانب طرف ومن قبل تحدثنا أن حسابات الأرض في كل الحروب هي التي تعمل على إعادة هندسة المواقف السياسية ،فيبدو أن ميزان السيادة الإقليمية سيدخل مرحلة إعادة ترتيب جديدة بعد ضغوط الحوثيين على المملكة. فالثنائية (المصرسعودية) التي ظهرت قبل أيام بدعم واضح لشرعية البرهان قد لا تستمر بالرغبة نفسها. فحين تعتمد الرياض على واشنطن في ملف أمني حساس مثل البحر الأحمر، يصبح من الطبيعي أن تتأثر مواقفها السياسية الأخرى ، فحاجتها للدعم الأمريكي تجعل استمرارها في تبنّي موقف داعم لشخص لا تمنحه واشنطن شرعية أمراً غير منطقي، وهو ما يرجّح أن الرياض ستتجه في المستقبل القريب نحو تخفيف هذا الدعم، والعودة إلى موقع “الوسيط” بدل الظهور كطرف منحاز، بما ينسجم مع أولوياتها الأمنية ومع متطلبات الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. لذلك فإن موقفها لا يبدو قابلًا للاستمرار، لأن البرهان ليس ورقة سياسية رابحة يمكن للسعودية أن تتمسك بها وهي تواجه تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي في البحر الأحمر. فالسعودية دولة تُقدّم مصالحها الاستراتيجية على أي تحالفات ظرفية، ولهذا يصبح تخلّيها وإفلات يدها عن الجنرال أمراً سهلاً للغاية، لأن أولويتها الحالية هي حماية أمنها البحري والجوي، وليس خوض خصومة سياسية بالنيابة عن البرهان أو الدفاع عن موقعه في السودان خاصة بعد تحديد واشنطن علاقتها به.
طيف أخير: #لا_للحرب نشر المرصد المركزي لحقوق الإنسان بالتعاون مع المركز الإفريقي للعدالة ودراسات السلام تقريراً عن حالات الاختفاء القسري في حرب السودان منذ 2023 إلى 2026، بلغ فيه إجمالي الضحايا الذين رصدتهم آليات التوثيق الميداني 24,493 حالة اختفاء قسري، مع تركّزٍ حاد للاحتجاز غير القانوني في مناطق التماس العسكري والسيطرة (أم درمان، الجزيرة، الخرطوم، وإقليم دارفور).