يعاني السودان اليوم تناقضاً صارخاً حيث تُختزل إدارة الدولة في دوائر تقصي أطرافاً رئيسية من النسيج السوداني حيث يقف في قلب هذه التناقض رجل ظل عقوداً في مقدمة المدافعين عن حقوق الإنسان.
نبيل أديب المحامي الذي يُعدّ من أبرز رموز حقوق الإنسان في السودان والذي ظل لأكثر من أربعة عقود مدافعاً عن مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. لكن مسيرته الحقوقية الطويلة وصلت إلى نقطة انكسار حاسمة حين انحاز الي العسكر واصبح احد ادوات البرهان متخلياً عن إرثه الحقوقي ويمكن تتبع هذا التحول عبر خمس محطات محورية تبدأ بالدفاع عن صلاح قوش ففي نوفمبر 2012 أعلنت السلطات السودانية عن إحباط ما سمّته بالمحاولة التخريبية حيث اعتقلت 13 متهماً على رأسهم صلاح قوش مدير جهاز الأمن والمخابرات السابق ومن ثم تولي نبيل أديب الدفاع عنه.
فصلاح قوش هو الرجل الذي ارتبط اسمه ببيوت الأشباح التي شهدت التعذيب والاعتقالات والتصفيات التي تمت داخل تلك الأقبية لمئات المعتقلين ومع ذلك وقف أديب في مقدمة هيئة الدفاع عنه وقد انتقده عدد كبير من المحامين الا انه لم يتراجع وبعد سبع سنوات وفي منتدى كباية شاي عام 2020 تم سؤاله عن هذا الموقف فأجاب بمنطق يختزل المسألة برمّتها مؤكداً أن القضية كانت ضد نظام الإنقاذ الذي كان يتشقق وقال كنا نريد توسيع هذه الشقوق.
هذا التبرير البراغماتي لا يزيل التناقض الجوهري فمن يقف في مقعد الدفاع عن رجل تُلطخت يداه بدماء المعتقلين بذريعة أن الغاية تبرر الوسيلة لا يمكنه في الوقت ذاته أن يدّعي أن الحقوق لا تتجزأ فالحقوق مكفولة كذلك الضحايا.
المحطة الثانية تبدأ من الأشهر الأولى لفض اعتصام القيادة العامة حين تشرفت برفقة الزميلين الصادق علي حسن ونصر الدين يوسف بزيارة مكتب نبيل أديب بوصفه رئيس لجنة التحقيق في فض اعتصام القيادة حيث سلّمناه تقريراً موثقاً أصدرته هيئة محامي دارفور حيث يضم تحقيقات وإفادات شهود عيان حول المجزرة.
وعند تسلمه التقرير ابدي اهتمامه به ثم قام بوضعه في الدرج و ولكن المفارقه أنه أظهر توجسه العميق من النتائج المحتملة و المترتبة على إعلان نتائج التحقيق والصحيح ان مهام المحقق ينتهي بإجراءالتحقيق والجهة التي كلفته هي المنوطة بها التقرير بشأن النتائج وليس المحقق .
لقدتحدث اديب عن تلك الفرضيات الثلاث التي وضعها مسبقاً قبل اكتمال التحقيق حيث قال ان إعلان النتيجة قد يؤدي إلى حرب لاختلاف الطرفين أو وقوع انقلاب وإما أن يؤدي عدم الافصاح عن التقرير إلى خروج الشارع وهنا يبرز التساؤل الملح عما إذا كان نبيل أديب قد نقل هذه التخوفات المسبقة لأعضاء اللجنة الآخرين.
وبما أنه كوّن هذه العقيدة حين راودته تلك الهواجس قبل اكتمال التحقيقات ألم يكن الأجدر أن يتقدم باستقالته من رئاسة لجنة التحقيق وذلك من باب الأمانة ألاخلاقية وبدلاً من الاستمرار في المماطلة والتسويف إلى أن قامت الحرب وحتي تحققت تلك السيناريوهات التي لم تكن نبوءات قدرية بل انعكاساً لقربه من دوائر صنع القرار العسكري.
والمحطة الثالثة تكشف الدور المزدوج لنبيل اديب فأثناء تفاوض المجلس العسكري مع قوى الحرية والتغيير فقد كان العسكريون من اعضاء المكون العسكري يترددون على مكتب أديب في وضح النهار قبل جلسات التفاوض وفي الوقت نفسه كان أديب عضواً بارزاً في اللجنة القانونية للحرية والتغيير.
والمحطة الرابعه وفيها يتكرر ذات النهج المعادي للمدنيين عقب الانقلاب حين شارك في صياغة المذكرة المقدمة لحمدوك متضمنة نصاً يقضي بإطلاق سراح المعتقلين ما عدا المتهمين في بلاغات جنائية مع العلم ان اديب عضو في اللجنة القانونية للحرية والتغيير أي أنه كان يعلم تماماً أن قيادات القوى المدنية اعتُقلوا وقتها عبر بلاغات جنائية كيدية صُممت لتعطيلهم واستهدافهم فنبيل كان يعلم بأسماء المعتقلين وبطبيعة البلاغات وبأن هذا الاستثناء تحديداً سيُستخدم كأداة لإبقائهم خلف القضبان وهو ما يخدم السلطة الانقلابيه ومع ذلك شارك في الصياغة حيث أدرج الاستثناء ولم يعترض علي ذلك فالمشاركة في كتابة نص يعلم كاتبه أنه سيُستخدم ضد المدنيين ليست تفصيلاً هامشياً بل هو شراكة كاملة في النتيجة وهكذا كان أديب رأس الحربة في محاربة القوى المدنية وتفريغ نضالاتها.
وتتبلور هذه المسيرة في محطتها الخامسة والأخيرة من خلال تلك الندوة التي نظّمتها مجموعة من السودانيين بمركز الشريف للدراسات والإعلام والتدريب بالتعاون مع مركز إبراهيم الوالي بالتجمع الخامس حيث أكد نبيل أديب أن اللجنة هي مبادرة مستقلة وهي مبادرة وطنية تحسب للمجموعة لكن ما كشفت عنه نقاشات الندوة وما جرى تداوله ليظهر التصريح الأخطر لأديب حيث قال أن الحوار لا يشمل قادة الجيش والرعاة الذين هم خارج سياق الحوار.
ومن خلال أقوال أديب فقد تبين انه قصد بالرعاة من يوصفون بحواضن الدعم السريع في هذه الحرب الدائرة بين قائد الجيش وحلفائه من جهة وقائد الدعم السريع وحلفائه من جهة أخرى وهنا تكمن المشكلة الجوهرية فقوات الدعم السريع ليست طرفاً معزولاً يحمل السلاح فحسب بل هي أحد طرفي الحرب الرئيسيين ولها حاضنة مجتمعية وقبلية واسعة واستبعاد هذه الحاضنة تحت مسمى الرعاة يعني استبعاد طرف كامل من معادلة الصراع وهذا الاستبعاد لا يضعف الطرف المستبعد بل ينسف أي إمكانية حقيقية لإيقاف الحرب وتحقيق سلام مستدام فكيف تتحقق تهيئة الأجواء وبناء السلام من دون مشاركة جميع الأطراف وتجاهل ما اسماهم بالرعاة.
والمفارقة تتضح أكثر عند العودة إلى تصريحات أديب التي لا تري ان هنالك مشكلة في دعوة المؤتمر الوطني الذي حكم ثلاثين عاماً للمشاركة في الحوار السوداني حيث رفض اديب أي مزايدة على دعوته تلك.
وهنا يتضح إلاقصاء الانتقائي فمن يرتبط بالدعم السريع يُستبعد تحت غطاء وصف الرعاة ومن يرتبط بنظام الإنقاذ البائد يُتم دعوته للحوار والخط الفاصل هنا ليس العدالة بل المصالح السياسية البحتة.
فهذا التناقض بين مبادئ حقوق الإنسان وسلوك أحد أبرز رموزها لا يحتاج إلى تعليق فالرجل أمضى أكثر من أربعين عاماً في المناداة باحترام الإعلان العالمي للحقوق الإنسان لكنه يقف اليوم ليستبعد قطاعاً كاملاً من شعبه تحت غطاء وصف الرعاة لا بسبب جريمة ارتكبوها بل بسبب انتمائهم المهني والقبلي وحواضنهم المرتبطة بالصراع فهذا ليس مجرد إقصاء سياسي بل هو انتهاك صريح للمادة الثانية من الإعلان العالمي التي تحظر التمييز بسبب الأصل الوطني أو الاجتماعي أو أي وضع آخر وانتهاك للمادة الحادية والعشرين التي تضمن لكل شخص حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده فإذا كان أديب قد ظل أربعة عقود يطالب السلطة باحترام الإعلان العالمي فاليوم يمارس هو نفسه انتهاكاً له من موقع حارس الحقوق الذي اختار أن يستبعد قطاعاً كاملاً من شعبه.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة كيف نبني دولة المواطنة المتساوية إذا كان حراس الحقوق أنفسهم أول من يتخلى عنها.