البرهان من “فض الاعتصام” وتسليم “سركاب” إلى تسليم “الرقاب”

نفيسة حجر
نفيسة حجر

​بقلم: نفيسة حجر
​”من وضع سلاحه وانضم إلينا فنحن لا نحاسبه.. وحسابه مع الشعب”.. بهذه الكلمات الانتحارية، لم يكتفِ الجنرال البرهان بإطلاق رصاصة الرحمة على القانون، بل أعلن رسمياً تحلل السلطة من واجبها الوجودي والأخلاقي.
إنها ذروة مسار طويل من “التسليم” الممنهج بدأ بغدر الصائمين في ساحة القيادة، مروراً بتسليم المقار، وانتهى اليوم بالمقايضة بكرامة الإنسان ودماء الضحايا؛ فمن يفرط في مقار الدولة السيادية، لن يتردد في المتاجرة بأرواح مواطنيه.
​إن ذاكرة الشعب السوداني ليست ثقباً أسود، ونحن كحقوقيين لا ننسى أن هذا النهج “الاستسلامي” تحت مسمى الموازنات هو الذي نفخ في روح فلول الحركة حتى تحولوا الي غولاً ينهش جسد الوطن. البرهان وزبانيته هم من شرعن التمدد بتسليمهم الدعم السريع مقار جهاز الأمن وهيئة العمليات، وهو من وهبهم مباني الجيش في “جبل سركاب” ، وهو ذاته من عقد “صلح المقايضة” الشهير قبل الحرب حين سلم الدعم السريع شحنات سلاح “سلاح المدرعات” القادمة من الإمارات إرضاءً لحليفه السابق.
​واليوم، تكتمل الدائرة بتسليم “العدالة” ذاتها على مذبح الموازنات العسكرية فبعد أن سلمهم المقار والسلاح بالأمس، يسلمهم اليوم “الحصانة” من المحاسبة، ويترك المواطن المكلوم ليواجه قتلة الأمس بصدور عارية تحت مسمى “المحاسبة الشعبية”. بأي حقٍ وبأي تفويض يقايض البرهان دماء الأبرياء، وأعراض الحرائر ، وخراب البيوت بولاءٍ عسكري جاء متأخراً وبعد خراب مالطة؟
إن العدالة الجنائية ليست “عطية مزين” يمنحها القائد لمن يشاء فالمجرم الذي استباح الحرمات لا يغسل يده من الدماء بمجرد عبوره لخندق الجيش، بل يجب أن يقاد إلى منصات القضاء ذليلاً، لا أن يُستقبل كـ “بطل قومي” وتُفتح له الأبواب التي أُغلقت في وجه المشردين والنازحين.
​إن قول رئيس الدولة ومسؤول أمنها “يشوف حساب الشعب معاهو” هو توقيع صريح على شهادة وفاة العقد الاجتماعي، ودعوة رسمية لشرعنة “شريعة اليد” والاغتيالات والكمائن في الظلام. فالدولة التي تتخلى عن القصاص، تدفع مواطنيها دفعاً نحو “التار” والفوضى، مما يفسر لغز التصفيات والوفيات الغامضة التي بدأت تنهش نسيجنا الاجتماعي. فكما فرط البرهان في “جبل سركاب” وهيئة العمليات، يفرط اليوم في قدسية القضاء وكرامة الضحايا، وينقل المعركة من ردهات المحاكم إلى أزقة الانتقام العشوائي.
​ولكن، هل يدرك البرهان أن المنطق الذي استدعى به “المحاسبة الشعبية” هو سلاح ذو حدين سيرتد حتماً إلى نحره؟ فإذا كان الشعب هو الخصم والحكم في مواجهة من استباحوا أرضه مؤخراً، فمن الذي سيحاسب البرهان ومؤسسته على جريمة فض الاعتصام النكراء التي جرت فصولها الغادرة أمام بوابات القيادة؟
ومن الذي سيحاسب على مجازر الكنابي وقتل الأطفال والنساء وحرق الأسواق؟
إن دماء شهداء فض الاعتصام الذين غُدر بهم وهم في حماه، لا تقل قدسية عن دماء ضحايا الكنابي اليوم.
إن الشعب الذي طُلب منه اليوم أن “يأخذ حقه بضراعه” هو ذاته الذي يختزن في ذاكرته كل رصاصة أُطلقت في صدور الثوار، وكل سوقٍ حُرق، وكل طفلٍ ذُبح في مناطق النزاعات. إن العدالة لا تتجزأ، ومن يشرعن “قانون الشارع” اليوم، عليه أن يستعد للوقوف أمام مقصلة هذا الشارع غداً.
​آخر قولي:
ليعلم البرهان ومن معه، أن “كلمة مرحب” الرسمية التي قيلت للمنتهكين لا تمنحهم طهارة، ولا تسقط عنهم ملاحقة التاريخ والضحايا. إن نقل المعركة من القانون إلى “المحاسبة الشعبية” هو انتحار سياسي سيكلفنا أنهاراً من الدماء الجديدة، ولن يحمي أحداً من غضبة المظلوم.
لقد أغلق البرهان باب العدالة بـ “ضبة” المصالح، وفتح أبواب الجحيم.. فليحفظ الله الأبرياء من عبث القادة الذين اعتادوا تسليم “الأرض” و”السلاح” والآن يسلمون “الحق العام” في صفقات بائسة لن تزيد الواقع إلا اشتعالاً.
اللهم سلم الأبرياء من هذا العبث بمصائرنا.

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة