هل نسي المصريون فضل السودان

نفيسة حجر
نفيسة حجر

هل نسي المصريون فضل السودان؟ حسابات التاريخ لا تُقاس بمنطق ” حسابات البقالة”

نفيسة حجر

​في المنعطفات الكبرى التي تمر بها الأمم، تبرز معادن الشعوب وتتوارى الحسابات الضيقة.
وحين نفتح دفاتر التاريخ، نجد أن العلاقة السودانية المصرية لم تكن يوماً مجرد جيرة جغرافية عابرة، بل كانت مواقف سيادية وإنسانية تجلت في أصعب الظروف. لكن ما يشهده السودانيون اليوم في القاهرة يضعنا أمام تساؤل مرير وموجع هل نسي المصريون تلك اللحظات التي فتح فيها السودان قلبه قبل أراضيه لهم؟
​إن التاريخ يخبرنا أن السودان كان الرئة التي تنفست منها العسكرية المصرية في أحلك أوقاتها فحين استهدف العدوان الصهيوني المطارات والمنشآت المصرية، نُقلت الكلية الحربية المصرية بكاملها إلى أرض السودان لتجد الأمان والاستقرار، واستقبل السودانيون سلاح الطيران المصري في قواعدهم بكل فخر، ليكون السودان هو العمق الاستراتيجي الذي حمى ظهر مصر ومستقبل جيشها. وفي عام 1967، حين كان العالم يصف جمال عبد الناصر بـ “البطل المهزوم”، خرج الشعب السوداني عن بكرة أبيه في مشهد أسطوري لترميم تلك الكرامة، حتى كتبت الصحف الأوروبية بذهول “السودان يكتب الانتصار للبطل المهزوم”.
​ولم يتوقف الفضل السوداني عند الدعم العسكري والسياسي، بل امتد ليشمل الجانب الإنساني الأسمى؛ فلطالما لجأ العديد من المصريين إلى السودان في فترات محنتهم المختلفة، وعلى رأسها سنوات حرب النكبة في 1948 وما تلاها من أزمات، ولم يلقوا من الشعب السوداني إلا الترحاب والإعزاز. في تلك السنوات، كان السودان هو الملاذ الآمن الذي لم يُهن فيه مصري قط، ولم يُعامل كغريب أو يُسأل عن “تصريح إقامة”، بل فُتحت لهم البيوت قبل الحدود، وقُسمت معهم لقمة العيش بكرامة وشهامة سودانية أصيلة لا تعرف المَنّ ولا الأذى.
​ولكن، يا للحسرة على واقعنا الراهن فالمفارقة اليوم تبدو مأساوية وصادمة، حيث يتحول السوداني الفار بكرامته من أتون حرب مدمرة إلى سجين ومطارد في شوارع القاهرة على يد من استجار بهم. إن ما يرتكبه المصريون اليوم من زج للسودانيين في “تخشيبات” ضيقة وقذرة تفتقر لأبسط مقومات الحياة الآدمية هو طعنة في خاصرة هذا التاريخ. ولقد بلغت المأساة ذروتها حين لقى اثنان من أبنائنا حتفهما في تلك الزنازين وسط الإهمال والأمراض وضيق التنفس.
إن هذه “تخشيبات الموت” التي تحولت إلى مدافن بشرية، وما يعقبها من قطارات ترحيل قسري ليعاد المستجير إلى فوهة المدفع، تمثل إعلاناً صريحاً عن سقوط القيم الأخلاقية أمام “حسابات البقالة” البائسة التي تتعامل بالأرقام والصفقات وتتجاهل الدماء والمواقف التي نُحتت في ذاكرة الزمن.
​إننا اليوم لا نوجه نداءً ولا نطلب عطفاً من المصريين، فالكرامة السودانية التي لم تنحنِ للرصاص لن تستجدي أحداً، لكننا نكتب لنُذكّر بأننا شعبٌ “لا ينسى ولا يغفر” لمن خذله في ساعة العسرة. لن نغفر ارواح أبنائنا التي فاضت في زنازين الجحود، ولن نغفر ذل الاحتجاز لمن جاء طالباً للأمان، فمن قَتل “المستجير” في سجنٍ غير آدمي فقد خسر رصيده في كتاب الكرامة للأبد. الأيام دول، والذاكرة السودانية حية لا تموت، والتاريخ وحده هو من سيحاسب من تنكر للفضل واستبدل “البيوت المفتوحة” بقطارات الغدر، فالحقائق تبقى، والكرامة باقية، وحسابات التاريخ لا تُغلق بانتهاء المصالح الآنية.

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة