عدوى الجهل: في إدارة المسافة بينك وبين الضجيج

د.الوليد مادبو
د.الوليد مادبو

دكتور الوليد آدم مادبو

في زمنٍ صار فيه الاتصال متاحًا بلا كلفة تقريبًا، لم تعد المشكلة في ندرة المعرفة، بل في فائضها الملوّث. لم يعد الجهل غيابًا للمعلومة، بل حضورًا كثيفًا لمعلومات مشوّشة، وأنصاف حقائق، وآراء تُنتجها ثقةٌ أعلى من كفاءتها. هذه هي “عدوى الجهل”: انتقال أنماط التفكير الرديئة عبر التماس اليومي، حتى تصبح جزءًا من عاداتنا الذهنية دون أن نشعر.

وسائط التواصل، وعلى رأسها تطبيقات مثل WhatsApp، حوّلت الفضاء الخاص إلى ممرٍّ عام. لم يعد بمقدورك دائمًا أن تختار من يطرق بابك؛ فالمحادثات الجماعية تُدخِل عليك أصواتًا لم تنتقها، وتفرض إيقاعًا معرفيًا قد لا يلائمك. هنا تتبدّى المفارقة: أنت حرّ في الفضاء العام الواسع—تنتقي ما تقرأ وتتابع—لكن حريتك تتقلّص داخل فضائك الخاص حين تُستباح يومياتك بسيلٍ من الرسائل.

لهذا، تصبح “إدارة التعرّض” مهارةً أساسية. ليس المقصود الانسحاب من العالم، بل تنظيم زمنه وحدوده. تحديد نافذةٍ زمنية ضيّقة للتواصل—في آخر الليل مثلًا—ليس ترفًا سلوكيًا، بل إجراء وقائي: حين تقلّ طاقتك على التفاعل، يقلّ انخراطك في جدالات عقيمة، وتزداد قدرتك على التمييز بين ما يستحق وما يُهمل.

غير أن العدوى لا تنتقل فقط عبر الأجهزة؛ بل عبر البيئات. المكان الذي تعيش فيه يترك أثرًا مباشرًا على مزاجك الفكري. في بيئاتٍ تتكاثر فيها المنابر، وتتنافس فيها الأفكار تحت سقف الحرية، تتسع احتمالات التعلم. وفي بيئاتٍ تُقيَّد فيها المعلومة أو تُفرغ من محتواها، تتضخّم الخطابة على حساب البرهان. هكذا يصبح النقاش العام بديلاً زائفًا عن المعرفة، وتتحوّل “الثقافة” إلى ديكور.

تجربة العمل والبحث تكشف هذه المعضلة بوضوح—وهي خلاصة ما تكرّر لي عبر بيئاتٍ مهنيةٍ متباينة، من الولايات المتحدة إلى السودان ثم قطر—إذ لا سياسة عامة بلا بيانات، ولا تقويم بلا شفافية. حين تُحجب الإحصاءات، وتُعاق المؤسسات عن إمداد الباحثين بالمعلومات، يصبح إنتاج المعرفة قائمًا على التخمين لا على الدليل. وحين تنفصل دورة “تصميم السياسة–تنفيذها–تقويمها”، يتحول الفشل إلى عادةٍ صامتة، والنجاح إلى ادّعاءٍ بلا سند.

في مثل هذه السياقات، تتكاثر ظاهرة “المتخصص في كل شيء”: من يمتلك خبرةً حقيقية في مجالٍ محدد، لكنه يتحدث في كل الحقول بثقةٍ واحدة. المشكلة ليست في العبور بين التخصصات—فذلك مطلوب—بل في غياب المنهج الذي يضبط هذا العبور. ومع الوقت، لا يقتصر الأثر على إزعاج السامع؛ بل يمتد ليعيد تشكيل لغته هو، فينحدر الخطاب العام إلى مستوى من التبسيط المُخلّ، حيث تُستبدل الحُجج بالانطباعات.

كيف نواجه عدوى كهذه؟ ليس بالعزلة الكاملة، ولا بالتساهل الكامل، بل بما يمكن تسميته “المسافة الذهنية”. أن تحضر دون أن تنخرط، وأن تستمع دون أن تُسلّم، وأن تضع بينك وبين الضجيج مرشّحًا داخليًا يختبر كل فكرة قبل أن تستقر. إنها “كمامة معرفية” إن صحّ التعبير: لا تمنع الهواء، لكنها تحجز السموم.

كما أن تقليل زمن التعرض مهم، فإن تحسين نوعيته أهم. استبدال ساعات التمرير العشوائي بقراءةٍ مركّزة—في الأدب، أو الفكر، أو التخصص—يعيد تدريب الذهن على العمق بعد أن أفسدته السرعة. والكتابة، ولو في صورة ملاحظات أو خلاصات سياسات، ليست ترفًا؛ بل أداة لمقاومة التبلّد، لأنها تُلزم صاحبها بالوضوح والدليل.

يبقى أن نقول: إن المجتمعات التي لا تُقيم وزنًا للمحاسبة ولا للشفافية، تميل إلى تحويل الثقافة إلى واجهة. مؤتمراتٌ تُقام، ومنتدياتٌ تُعقد، لكن دون صلةٍ حقيقية بدورة القرار. هناك تصبح المعرفة “زينةً” لا “أداة”، ويصبح المثقف شاهدًا لا فاعلًا. وفي هذا المناخ، لا يعود غريبًا أن تتقدّم الرداءة بوصفها معيارًا مريحًا؛ فهي لا تُحرج أحدًا.

ليست القضية، إذن، في الناس بقدر ما هي في الأنماط: أنماط التفكير، وأنماط التواصل، وأنماط إدارة الوقت. وكلما وعينا بهذه الأنماط، صارت قدرتنا على مقاومة عدواها أكبر. فالمعرفة، مثل الصحة، لا تُصان بالشعارات، بل بعاداتٍ يومية: ما تقرأ، من تُجالس، كم تتعرّض، وكيف تُفكّر.

في النهاية، ليست المعركة ضد “الآخرين”، بل ضد الانزلاق غير المرئي داخلنا. ذلك الانزلاق الذي يبدأ بتسامحٍ صغير مع الرداءة، وينتهي بتطبيعها. ومن هنا تبدأ الوقاية: أن تختار، كل يوم، مستوى الخطاب الذي تقبله لنفسك—ثم تدافع عنه بصمتٍ منضبط، لا بضجيجٍ إضافي.

‏April 27, 2026

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة