حينما تعجز سفارة السودان

السودان وليبيا
السودان وليبيا

حينما تعجز سفارة السودان بليبيا عن خدمة رعاياها… ويصبح استرجاع الجواز أقصى أحلام اللاجئ

عبدالناصر ضوالبيت يكتب

مأساة السودانيين في ليبيا

في زمن الحروب والإنكسارات الكبرى تصبح الوثيقة الثبوتية آخر ما يملكه الإنسان ليُثبت أنه ما زال موجوداً وأنه ليس مجرد رقم في قوائم النزوح والتيه والجواز بالنسبة للاجئ السوداني في ليبيا ليس ترفاً ولا كماليات بل شريان حياة بوابة عبور وأمل أخير في النجاة من دائرة الإذلال اليومي
لكن المفارقة المؤلمة أن هذا الحق البسيط تحوّل إلى حلم بعيد المنال بسبب عجز سفارة السودان بليبيا عن القيام بأبسط واجباتها تجاه رعاياها
فأزمة الجواز… عنوان لفشل أوسع

ما يحدث في ملف الجوازات ليس حادثاً معزولاً بل عرض لمرض مزمن اسمه الغياب الكامل للدولة
مواطنون سودانيون عالقون لأشهر دون إسترجاع جوازاتهم أو تكملة إجراءاتها بلا مواعيد واضحة بلا نظام معلن وبلا قنوات تواصل فعّالة
والنتيجة..لا سفر
..لا عمل رسمي
..لا إقامة قانونية
…….. لا حماية
وكأن اللاجئ يُعاقَب مرتين مرة لأنه هرب من الحرب ومرة لأن دولته تخلّت عنه

فضيحة الجوازات والعودة الطوعية

الأخطر من مجرد تعطل إسترجاع الجوازات أن هذه الجوازات جُمعت أساساً ضمن إجراءات العودة الطوعية للسودان
أي أن اللاجئ سلّم جوازه بنية العودة إلى وطنه إستجابة لإعلانات رسمية ووعود مباشرة ثم وجد نفسه عالقاً في فراغ كامل
لا عودة تمت ..لا جواز أُعيد .. ولا توضيح قُدِّم
هذا السلوك لا يمكن وصفه إلا بأنه تلاعب بمصائر البشر وأستغلال لحالة اليأس التي يعيشها اللاجئون
ما حدث عملياً هو ان
المواطن سلّم جوازه ثقةً في إعلان رسمي
الإعلان فشل أو جُمّد أو اختفى
الجوازات بقيت محتجزة بلا مسوغ قانوني واضح
المواطن أصبح بلا وثيقة وبلا خيار
هنا نحن لا نتحدث عن تقصير إداري فقط بل عن جريمة إدارية كاملة الأركان لأن إحتجاز الوثائق الثبوتية دون مسار واضح أو جدول زمني أو إخطار رسمي يُعد انتهاكاً صريحاً لحقوق الإنسان

السفارة من بيت للسودانيين إلى جدار صامت

الأصل أن تكون السفارة ملاذاً ومركز خدمة وصوتاً للمواطن في الغربة
لكن الواقع يقول إن السفارة تحولت إلى جسم إداري بارد بلا حس إنساني وبلا شعور بخطورة اللحظة التاريخية التي يعيشها السودانيون
لا بيانات دورية
لا توضيح للإجراءات
لا إعتراف بحجم المعاناة
هذا الصمت ليس حياداً… بل مشاركة في الجريمة المعنوية ضد مواطن أعزل تتكرر يوماً تلو الآخر.
حين يصبح الطلب جوازي وين ..؟

من المحزن أن تنخفض سقوف الأحلام إلى هذا المستوى فاللاجئ السوداني لم يعد يسأل عن حقه في التعليم أو العلاج أو العمل بل عن
جوازي وين ..؟

هذه الجملة وحدها تختصر حجم الإنكسار

المسؤولية الأخلاقية والقانونية

السفارة لا تمثل حكومة بعينها بل تمثل الدولة السودانية بكل تاريخها وإسمها وكرامة شعبها
والتقاعس عن تقديم الخدمات القنصلية الأساسية يُعد خرقاً واضحاً لمسؤولياتها القانونية والأخلاقية
ليس مقبولاً أن يُترك آلاف السودانيين في فراغ إداري قاتل بينما المكاتب مفتوحة والموظفون على رأس أعمالهم

ما المطلوب ..؟

إعلان خطة مكتوبة وواضحة و سريعة لمعالجة ملف الجوازات الخاصة بالعودة الطوعية في أسرع وقت ممكن
مع فتح قنوات تواصل رسمية وفعّالة مع الجالية
وتحديد جداول زمنية واقعية ومعلنة
إعادة كل الجوازات فوراً لمن لا تشملهم أي ترتيبات سفر حالية
محاسبة أي مسؤول يثبت تقصيره أو تلاعبه
وهذه ليست مطالب سياسية بل حقوق إنسانية بديهية

كلمة أخيرة

الدولة التي تعجز عن حفظ كرامة مواطنيها في الخارج لن تستطيع بناء وطن محترم في الداخل
وإسترجاع الجواز يجب ألا يكون حلماً بل خدمة عادية سريعة ومحترمة
إلى أن يحدث ذلك ستظل مأساة اللاجئ السوداني في ليبيا شاهداً حيّاً على فشل دبلوماسي مؤلم وصمت لا يُغتفر وموت ضمير في أقصى مراحل الأزمة الإنسانية

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة