أميركا بحاجة إلى تعديل دستوري يحمي الديمقراطية من الطغاة

هشام هباني
هشام هباني

هشام هباني .. يكتب

من أخطر ما يمكن أن يحدث لأي ديمقراطية أن تتحول القوانين التي وضعت لحماية الدولة إلى ثغرات يتسلل منها من يهددون الدولة نفسها. وهذا ما يبدو أن الولايات المتحدة تواجهه اليوم، حين يصبح ممكناً لشخص مدان بعشرات التهم الجنائية ومتهم بإهانة المؤسسات القضائية والتحريض على العنف وتقويض الثقة في الانتخابات، أن يقترب مرة أخرى من أعلى منصب في البلاد
المشكلة هنا ليست في شخص بعينه فقط بل في خلل دستوري وقانوني يسمح بأن يكون منصب رئيس الولايات المتحدة أقل اشتراطاً من كثير من الوظائف الحكومية الدنيا ففي أميركا يمكن أن يُحرم موظف صغير من العمل في البريد أو الشرطة أو الجيش أو حتى إدارة مدرسة إذا كانت لديه إدانة جنائية أو سجل أخلاقي مشين بينما لا يوجد في الدستور الأميركي ما يمنع شخصاً مداناً بجرائم خطيرة أو محاطاً بشبهات أخلاقية وسياسية جسيمة من أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة
هذه ليست قوة للديمقراطية كما يروج البعض بل ضعف خطير فيها فالديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع وليست مجرد قدرة أي شخص على الترشح الديمقراطية الحقيقية هي أيضاً وجود ضوابط أخلاقية وقانونية تحمي الدولة من أن تتحول إلى رهينة بيد الشعبويين والمهووسين بالسلطة والمستثمرين في العنصرية والخوف والانقسام
لقد كُتب الدستور الأميركي في زمن لم يكن يتصور فيه من وضعوه حجم النفوذ المالي والإعلامي الذي يمكن أن يصنعه شخص واحد ولا حجم الاستقطاب الذي يمكن أن يجعل ملايين الناس يصوتون بدافع الغضب والكراهية أكثر من التصويت بدافع المصلحة الوطنية ولذلك فإن ترك هذه الثغرة مفتوحة اليوم يعني أن أميركا قد تجد نفسها مرة بعد أخرى أمام مرشحين يمتلكون المال والشهرة والقدرة على التحريض لكنهم يفتقرون إلى الحد الأدنى من الاتزان الأخلاقي والنفسي والسياسي المطلوب لإدارة أخطر دولة في العالم
إن رئاسة الولايات المتحدة ليست وظيفة عادية إنها منصب يستطيع صاحبه أن يقرر الحرب أو السلم وأن يوقع على قرارات قد تغيّر مصير العالم أن يتحكم في ترسانة نووية تكفي لتدمير البشرية مرات عديدة ولذلك فإن من العبث أن يُترك هذا المنصب بلا معايير صارمة تتعلق بالنزاهة والاستقرار النفسي والسجل الجنائي والالتزام بالدستور
لا أحد يطالب بحرمان الناس من حق الاختيار لكن من واجب المجتمع الأميركي أن يضع حداً أدنى من الشروط التي تحميه من الكارثة يجب أن يكون هناك تعديل دستوري يمنع أي شخص مدان في جرائم خطيرة تتعلق بالفساد أو الاحتيال أو التحريض على العنف أو إساءة استخدام السلطة من الترشح للرئاسة ويجب أيضاً إخضاع المرشحين لفحوصات صحية ونفسية مستقلة وشفافة تماماً كما يحدث في وظائف أقل أهمية بكثير
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأميركا ليس أن تخسر انتخابات أو تواجه أزمة اقتصادية بل أن تتآكل مؤسساتها من الداخل تحت تصفيق جماهير غاضبة ومخدوعة فالتاريخ يعلمنا أن الطغاة لا يأتون دائماً عبر الدبابات والانقلابات بل كثيراً ما يصلون عبر صناديق الاقتراع ثم يستخدمون الديمقراطية نفسها لتدمير الديمقراطية
وإذا لم تتحرك أميركا اليوم لسد هذه الثغرة فقد يأتي يوم تكتشف فيه أن الدستور الذي كان يفترض أن يحميها قد أصبح الأداة التي أوصلت أخطر الناس إلى منصة اتخاذ القرار.

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة