غادورنا ولم نرد لهم الجميل .. السودان الحبيب يشكوا تآمر الأشقاء على جسده الجريح

محمد مختار
محمد مختار

كتب/محمد مختار

في المنطقة الواقعة بين شارع فيصل واللبيني بمحافظة الجيزة، تتراص كل يوم الحافلات التي تنقل السودانيين العائدين إلى بلادهم، بعد سنوات من الإقامة في مصر بسبب النزوح والحرب. والحقيقة أنني أحاول أن أقترب من الراحلين لألقي عليهم تحية الوداع؛ أقترب منهم ولكن لا أجد في نفسي الشجاعة لأتكلم. لقد خذلناهم في وقت لم يكن الخذلان فيه هو الجزاء الوافي لجميل السودان التاريخي الذي قدمه لمصر.
أما الخذلان فقد ظهر في أبشع صوره من خلال الحملات الممنهجة على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تصف اللاجئين بـ ‘الهكسوس’ وتحقر منهم وتتعالى عليهم. وبعض هذه الحملات تتضمن عنصرية بغيضة وسخرية وتنمرًا؛ لقد وقع كثير من اللاجئين السودانيين في مصر ضحية لسماسرة العقارات والشقق، وبعضهم وقع ضحية لسماسرة تجارة الأعضاء. ومن عمل من الشباب السوداني في وظائف ببعض المصانع، فقد عمل بأجور بخسة ولساعات طويلة وبدون أي حماية مهنية. لم نرحب بأهلنا اللاجئين السودانيين بما يتوافق مع قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر: 9)؛ بل تعاملنا مع اللاجئين الملهوفين الذين هربوا من الحرب والقتل والاغتصاب بمنطق التجارة. ضاعفنا لهم إيجارات المساكن لمستويات لا تطاق، دفعت أكثر من أسرة سودانية للاشتراك في المسكن نفسه. وبعد أن استنفد من كان منهم ينفق من مدخراته مدخراتهم، ضقنا بهم ذرعًا، ورأينا وسمعنا وشهدنا حالات مؤسفة من الاستغلال المقيت. ورفضنا استقبال أطفال الفقراء من اللاجئين في مدارسنا الحكومية، حتى ولو بمقابل رسوم مدعمة، كما كان معمولًا به قديمًا للطلاب السودانيين الذين كانوا يدرسون مجانًا ويعاملون معاملة الأطفال المصريين؛ فدفعنا بهم لتأسيس مدارس خاصة بهم، ثم ضيقنا عليهم في تراخيص المدارس التي نظمها اللاجئون السودانيون، فحرمنا قسمًا لا يستهان به من أطفال اللاجئين السودانيين غير القادرين عن التعليم لسنوات ضاعت من أعمارهم.
هذا هو الخذلان؛ أما الجميل الذي لم نرده حتى الآن للسودان الحبيب فهو جميل لا يُقدّر بمال الأرض كلها؛ لأنه ببساطة فإن السودان الحبيب على مدار التاريخ لم يمنع أبداً النيل من أن يصل إلى مصر، والنيل هو الماء، والماء هو الحياة. فقد عاش المصريون آلاف السنين وهم آمنون بأن الجار الحبيب لن يغلق عليهم صنبور الماء، كما فعلت إثيوبيا بمعونة وأموال بعض العرب مع الأسف. والجميل الآخر الذي لم نرده للسودان الحبيب، يوم حدث ما حدث في مصر صباح الخامس من يونيو، وصحت مصر لتجد نفسها وقد فقدت قواتها الجوية وجيشها في عدوان سنة 1967م، وكان الطريق إلى القاهرة مفتوحاً أمام الجيش الإسرائيلي؛ فأرسل السودان الحبيب قواته الخاصة على عجل لتأمين مداخل القاهرة على طريق السويس، وشاركت هذه القوات في معركة ‘رأس العش’ دفاعاً عن بورفؤاد. وفي قمة الخرطوم التي أعقبت النكسة، خرجت الجماهير السودانية لتحمل سيارة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر حباً في مصر ومساندة لها، في مشهد تاريخي أذهل العالم؛ حتى خرجت مجلة ‘تايم’ وعلى غلافها الصورة التي لا نزال لا نجد لها تفسيراً إلا أن السودان الحبيب هو صمام الأمان لمصر في كل الأزمات. وقد صمدت القوات السودانية على الجبهة جنباً إلى جنب مع الجيش المصري حتى حرب التحرير في أكتوبر سنة 1973م
لقد خذل الشقيق شقيقه، وبعض الأشقاء يشاركون الآن في سكب الزيت على نار الحرب المستعرة في السودان. ويخرج أحد أطراف مؤامرة الحرب ليقول إنه قادر على الاستمرار في الحرب حتى عام 2040، ولا يعلم أحد من أين يأتي هذا الطرف بالمال والسلاح ليستمر في حرب إجرامية مجنونة ضد الشعب السوداني الحبيب لنحو عشرين عاماً، بينما لا تستطيع دول كبرى الاستمرار في الحرب لأسابيع! إن الدماء التي تسيل في السودان هي دماء في رقابنا جميعاً، وإن اللاجئين الذين يعودون إلى السودان مخذولين سوف تحمل قلوبهم وألسنتهم شهادات عن الخذلان الذي تعرضوا له. نحن لم نكن على قدر المسؤولية التاريخية، ولم نكن على مستوى المسؤولية القومية، ولم ندافع حتى عن أمننا القومي الذي يُنتهك في السودان؛ فقد تركنا السودان الحبيب وحيداً على مذبح بعض المتآمرين ممن يتكلمون بلساننا. وعندما استغاث بنا أهلنا في السودان خذلناهم خذلاناً سوف ندفع ثمنه جميعاً، عاجلاً أو آجلاً.

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة